لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ
أخي الزائر الكريم ...................................
نرحب بك في منتدى تجويد القرآن الكريم فأهلاً بك في منتداكم( لمسات البيان لتجويد القرءان) ان هذا المنتدى منكم واليكم ......
شارك معنا بما تجود به من مقال ، او سيرة ، اوتحقيق مما يخدم كتاب الله....
أخي الزائر الكريم انك لم تسجل بعد ، قم بالتسجيل أولاً .............. وان كنت مسجلا قم بالدخول مع الرحبً والسعة .. لطفاً..........
نَوَّ ر المنتدى بوجودكم فأهلا بكم .............

لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ

أحكام تجويد...قراءات....علوم قرءان.....لغة عربية....تفاسير ....بلاغة.....تراجم وسير .. مقالات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الاول من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انيس القراء

avatar

عدد المساهمات : 19
نقاط : 47
تاريخ التسجيل : 15/12/2011

مُساهمةموضوع: الجزء الاول من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد   الإثنين 19 ديسمبر 2011, 22:58

اللقاء العلمي
لشبكة التفسير والدراسات القرآنية
مع
الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد حفظه الله
الأستاذ بكلية التربية بجامعة تكريت بالعراق



6 شعبان 1426هـ
10 /9/2005م


w w w . t a f s i r . n e t





الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وببركة عونه تتكامل الأعمال والحسنات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فقد يسر الله عقد اللقاء العلمي الرابع للشبكة العلمية للتفسير والدراسات القرآنية ، والذي سبقه ثلاثة لقاءات علمية متخصصة بجانب من جوانب الدراسات القرآنية التي لقيت قبولاً واسعاً لدى المتخصصين ، وهذا اللقاء الرابع مع أحد العلماء المتخصصين في الدراسات القرآنية واللغوية المتصلة بالقرآن الكريم ، وله فيها أبحاث ومؤلفات وتحقيقات معروفة متداولة ، وهو الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد الأستاذ بكلية التربية بجامعة تكريت بالعراق ، وقد جمعت الأسئلة التي طرحت في هذا اللقاء ، وأعيد صياغتها من قبل المشرفين ، ثم قام الدكتور غانم قدوري الحمد بجمع الأسئلة التي رأى فائدة في الإجابة عنها ، والمتعلقة بالموضوعات التي تعرض لها في بحوثه ومؤلفاته دون بعض الأسئلة الجانبية ، أو الخاصة التي لم ير ضرورة للإجابة عنها في هذا اللقاء ، ثم أجاب إجابة موسعة عن الأسئلة في ثلاثة بحوث ضافية ، حشد لها الأدلة والنقولات المتينة من أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين ، فجاءت بحوثاً على درجة عالية من التحقيق يندر وجود مثله في لقاءات الانترنت أو غيرها ، وإننا على يقين في شبكة التفسير والدراسات القرآنية أن هذا اللقاء سيحظى بقبول واسع لدى الإخوة الفضلاء طلاب العلم الذين يقدرون مثل هذه المسائل حق قدرها ، ويعرفون مقدار الجهد المبذول للوصول إلى مثل هذه الأجوبة الفاخرة ، لمثل هذه المسائل الشائكة.
نسأل الله تعالى أن ينفع بها ، وأن يكتب لها القبول ، وشكر الله لكل من شاركنا في طرح الأسئلة ، وشكر الله للدكتور غانم قدوري الحمد استجابته وإجابته ، والله الموفق.

شبكة التفسير والدراسات القرآنية
6/8/1426هـ


محاور اللقاء
- رسم المصحف .
* ما علاقة الرسم العثماني بالقراءات القرآنية ؟ وهل الرسم العثماني أو المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة ؟ وما هو سبب الاختلاف في الأحرف السبعة ؟
* هل مصاحف الصحابة تخالف رسم المصحف العثماني ؟ وهل الرسم توقيفي أم اجتهادي؟
* علامات الضبط في كتابة المصحف.
* كيفية دراسة رسم مصحف ما ؟
* ما أهم المصاحف المخطوطة في العالم ؟

- علم التجويد
* طريقة المتقدمين في عرض التجويد .
* طريقة من بعد ابن الجزري في عرض التجويد .
* عيوب النطق : كتبها وعناية العلماء بها.
* الاختلاف في وصف بعض مخارج الحروف.
* هل في التجويد مسائل اجتهادية ؟
* تحرير القول في قول ابن الجزري :
والأخذ بالتجويد حتم لازم * من لم يجود القرآن آثم
* المنهجية السليمة في تدريس التجويد ؟
* علاقة علم التجويد بعلم القراءات ؟
- الدراسات الصوتية المعاصرة .
* أهم كتب الدراسات الصوتية المعاصرة .
* مصطلحات الدراسات الصوتية المعاصرة ، وموازنتها بمصطلحات علماء التجويد .
* ما الحل العملي المقترح لما يثار بين الحين والآخر في النطق الصحيح لحرف الضاد وغيره ؟
* الخبرة الشخصية للدكتور غانم في التأليف والتدريس.
** ترجمة الأستاذ الدكتور غانم بن قدوري الحمد :
- ولد غانم بن قدوري بن حمد الناصري في مدينة تكريت بالعراق عام 1370هـ.
- درس الماجستير في كلية دار العلوم بالقاهرة بقسم علم اللغة ، وحصل عليها عام 1396هـ.
- حصل على الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1405هـ .
- عين مدرساً بكلية الشريعة بجامعة بغداد عام 1396هـ وبقي بها حتى عام 1408هـ .
- انتقل لجامعة تكريت عام 1408هـ حتى الآن 1426هـ. عمل أثناء ذلك أستاذا زائراً بجامعة حضرموت باليمن ، عام 1422هـ .
من مؤلفاته :
- رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية.
- الدراسات الصوتية عند علماء التجويد .
- أبحاث في علم التجويد.
- محاضرات في علوم القرآن.
- علم الكتابة العربية .
- المدخل إلى علم أصوات العربية.
- أبحاث في العربية الفصحى .
- تحقيق كتاب (الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف) لابن وثيق الأندلسي .
- تحقيق كتاب التحديد في الإتقان والتجويد لأبي عمرو الداني.
- تحقيق كتاب (الموضح في التجويد) لعبدالوهاب بن محمد القرطبي.
وله عدد من البحوث المنشورة في المجلات العلمية ، وعدد من التحقيقات لكتب التجويد ورسائله .
انظر ترجمته في : أعلام العراق في القرن العشرين 1/151 ، معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى عام 2002م لكامل سلمان الجبوري 4/390 ، وقد وعد الدكتور غانم الحمد بكتابة ترجمة لنفسه إن شاء الله.



اللقاء العلمي مع ملتقى أهل التفسير

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين .
الأخ الفاضل الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري ، المشرف العام على الملتقى
الإخوة المشرفون ، وأعضاء الملتقى ، والمتصفحون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد
فإنني مسرور بتحقق التواصل مع ملتقى أهل التفسير ، وقد أتاح لي ذلك الاطلاع على كثير من الأبحاث والمصادر والأفكار ، والتعرف على كثير من الباحثين والمتخصصين في مجال الدراسات القرآنية ، فالحمد لله رب العالمين ، والشكر لـه ، ثم لأهل الملتقى الذين أحسنوا الظن بي ، ونوَّهوا بما يَسَّرَ الله تعالى لي كتابته من أبحاث وتحقيقات على صفحات الملتقى ، وتلطفوا بعرضهم إجراء لقاء علمي معي ، ولم أجد بدّاً من الاستجابة لرغبتهم ، تأكيداً لروابط الإخوة بين طلبة العلم ، وأملاً في مشاركة المتخصصين في تحقيق بعض المسائل العلمية المتعلقة بتاريخ القرآن وعلومه التي تشغل بال كثير من الدارسين .
وبعد اطلاعي على محاور اللقاء التي ثبتها الإخوة المشرفون على الملتقى ، وما أضافه بعض الإخوة المتصفحين من أسئلة ، حاولت إعادة صياغة الأسئلة التي تتعلق بتخصصي العلمي والتي أجد أني يمكن أن أتحدث عنها في ثلاثة عناوين أو مباحث تستوعب معظم تلك الأسئلة ، وهي :
1. علاقة القراءات القرآنية بالرسم العثماني.
2. الرسم العثماني : أصوله وخصائصه .
3. علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث .

وأود أن أشير إلى أني كنت قد بحثت موضوعات هذه العناوين في بعض ما كتبت من قبل ، ولكني لم ألجأ إلى النقل حرفياً منه لسببين ، الأول : رغبتي في إعادة صياغة ما كتبت في ضوء ما استجد عندي من ملاحظات ومعلومات ، والثاني : أن الأسئلة تتعلق بجوانب معينة من تلك الموضوعات ، فكان لابد من إعادة الكتابة لتحقيق ملائمة بين الأسئلة والأجوبة بقدر الإمكان .
وإني في هذه الفرصة أتقدم بالتحية لأعضاء الملتقى ، وأنتظر من الإخوة المتخصصين والمهتمين بهذه الموضوعات أن يذكروا ما يجدون من ملاحظات حول ما كتبت ، لاستدراك ما لعلي قصرت فيه أو جانبت الصواب فيه ، فالدين النصيحة .
 ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد له رب العالمين .

غانم قدوري الحمد
تكريت
27/ رجب / 1426 هـ
1/9/2005 م











البحث الأول
علاقة القراءات القرآنية بالرسم العثماني

إن تحديد العلاقة بين الرسم والقراءات يتطلب بحث تأريخ كل منهما ، وهو بحث لا يخلو من صعوبة وخطورة ، لثلاثة أسباب :
الأول : سعة المادة العلمية المتعلقة بالموضوعين .
الثاني : تعدد وجهات نظر الدارسين في بعض القضايا المتعلقة بهما .
الثالث : خطورة الأحكام المترتبة على ذلك البحث ، لتعلقها بنص القرآن الكريم .
وسوف أبدأ ببحث أصل القراءات القرآنية ، وأتتبع أصول الرسم العثماني ، ثم أبحث العلاقة بينهما ، متوخياً الإيجاز والتركيز ، محاولاً الوصول بالقارئ إلى تصور واضح حول هذه الموضوعات والعلاقة بينها ، مستفيداً من التراث العلمي الواسع الذي كتبه علماء القرآن حولها منذ بدء تدوين العلوم الإسلامية إلى عصرنا الحاضر بقدر ما يتيسر لي من مصادر .
وأود أن أُذَكِّرَ القارئ بأمرين :
الأول : ألاّ يتوقع أن يأتي مثل هذا البحث بإجابة نهائية عن كل التساؤلات العلمية المتعلقة بموضوعه ، فمثل هذا الأمر لم يتحقق على يد كبار علماء الأمة في عصورها المتعاقبة ، وغاية ما يطمح إليه هو تقديم تصور علمي متوازن يستند إلى الدليل الراجح المستنبط من مجموع الروايات التاريخية ، ومن أقاويل علماء السلف .
والآخر : أن يجد العذر لكاتب هذا البحث إذا وجد فيه ما لا يتفق مع وجهة نظره ، فرأي الإنسان محكوم بما أُتِيحَ له من معرفة ، وما آتاه الله تعالى من فَهْمٍ ، وهو ما يتفاوت الناس فيه ، أسأل الله تعالى التوفيق للصواب ، هو حسبنا ونعم الوكيل .

أولاً : أصل القراءات القرآنية

(1) اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم :
لا بد للباحث عن أصل القراءات القرآنية من تحديد اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم ، ومن البديهي القول إن القرآن انزل باللغة العربية ، وقد أكدت ذلك آيات كثيرة ، أذكر منها قوله تعالى :  وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين  [ الشعراء 192 – 195] لكن العرب " وإن جَمَع جميعها اسم ٌ أنهم عرب ، فهم مختلفو الألسن بالبيان ، متباينو المنطق والكلام "( ) فهل نزل القرآن بألسن العرب جميعها ، أم بألسن بعضها ؟
اختلف العلماء في الإجابة على هذا التساؤل على قولين ، منهم من قال : نزل القرآن بلغة جميع العرب ، لأن اسم العرب يتناول الجميع ، ومنهم من قال : نزل القرآن بلسان قريش خاصة ، لأنهم قوم النبي – صلى الله عليه وسلم – وعشيرته .
وانعكس هذا الاختلاف على تفسير قوله تعالى :  وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم  [ إبراهيم 4] فذهب البعض إلى القول:إن القرآن أنزل بلسان جميع العرب( ) وذهب الأكثرون إلى نزوله بلغة قريش ، قال الآلوسي : " وكون المتبادر من ( قومه) - عليه الصلاة والسلام – مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ، ويليه في التبادر العرب ".( )
وحفظ لنا التاريخ شهادات لعدد من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش ، منها رسالة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى عبد الله بن مسعود حين بلغه أنه يعلِّم الناس القرآن في الكوفة بلغة قومه هذيل ، ونصها : " أما بعد فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل"( ).
ومنها قول عثمان بن عفان – رضي الله عنه - للثلاثة القرشيين الذين نسخوا الصحف في المصاحف مع زيد بن ثابت : " إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم "( ).
كما رُويَ عددٌ من أقوال علماء التابعين تؤكد ذلك أيضاً ، منها قول مجاهد بن جبر المكي ( ت 102هـ) المفسر ، تلميذ ابن عباس ، في تفسير قوله تعالى :وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه : نزل القرآن بلسان قريش( ). ومنها قول عكرمة بن خالد بن العاص المخزومي القرشي ( ت 116هـ) : نزل القرآن بلساننا ، يعني قريش( ).
وسمع خالد بن سلمة بن العاص المخزومي ( ت 132هـ) قتادة بن دعامة السدوسي ( ت 117هـ) يحدِّث عن أبي الأسود الدؤلي ( ت 69هـ) أنه قال : نزل القرآن بلسان الكعبين : كعب بن عمرو ، وكعب بن لؤي ، فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي ( ت 126هـ) : " ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين ، وإنما نزل بلسان قريش! "( )
واستشكل بعض علماء السلف وجود ظاهرة الهمز في القراءة ، لأن قريش وأهل الحجاز لا يحققون الهمزة ، وجعلهم ذلك يقولون إن القرآن نزل بعضه بلغة غير قريش من العرب ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403هـ) : " ومعنى قول عثمان أنه أنزل بلسان هذا الحي من قريش أي معظمه وأكثره نزل بلغتها ، ولم تقم حجة قاطعة على أن القرآن بأسره نزل بلغة قريش ، بل ثبت أن فيه همزاً ، وقريش لا تهمز، وثبت أن فيه حروفاً وكلمات بغير لغة قريش "( ) .
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر(ت 463 هـ) معلقاً على قول عثمان - رضي الله عنه السابق : " ومعناه عندي في الأغلب ، لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها ، وقريش لا تهمز"( ) . وقال أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) : " وإن القرآن لم ينزل بلغة قريش فقط دون سائر العرب ، وإن كان معظمه نزل بلغة قريش"( )
ولا يكفي وجود الهمز في القراءة دليلاً على أن القرآن نزل بلغة غير قريش من العرب ، فهناك ما يشير إلى أن تسهيل الهمز كان سمة بارزة لقراءة أهل الحجاز ، وأن المصاحف كتبت بتسهيل الهمزة ، ويؤكد ذلك ما رواه ابن مجاهد عن عيسى بن مينا قالون ( ت 220هـ) تلميذ نافع وراوي قراءته ، أنه قال : " كان أهــل المدينــة لا يهمزون حتى همز ابن جندب ، فهمزوا : مستهزئون ، واستهزئ "[السبعة ص60]. وابن جندب هو مسلم بن جندب شيخ نافع . وما رواه ابن الأنباري عن خلف بن هشام البغدادي ( ت 229هـ) أنه قال : " وقريش لا تهمز ، ليس الهمز من لغتها ، وإنما همزت القراء بلغة غير قريش من العرب"( ).
وقال أبو عمرو الداني : " والهمزة قد تصور على المذهبين من التحقيق والتسهيل ، دلالة على فشوهما واستعمالهما فيها ، إلا أن أكثر الرسم ورد على التخفيف ، والسبب في ذلك كونه لغة الذين وَلُوا نسخ المصاحف زمن عثمان ، رحمه الله ، وهم قريش... فلذلك ورد أكثر الهمز على التسهيل،إذ هو المستقر في طباعهم والجاري على ألسنتهم"( ).
فقضية وجود الهمز في معظم القراءات القرآنية لا تكفي في رد الروايات الصحيحة المنقولة عن الصحابة والتابعين والقائلة بنزول القرآن بلغة قريش ، ويمكن تفسير شيوع الهمز في القراءات من خلال ظاهرة الاختيار في القراءة ، التي سنتعرض لها في الفقرة الأخيرة من هذا البحث .
أما وجود ألفاظ في القرآن وردت في لغات بعض العرب فأمر طبيعي ، لتوافق لغات العرب في معظم الألفاظ ، ولا يمكن القول إن لفظة ما في القرآن ليست من لغة قريش لمجرد وجودها في لغة أخرى من لغات العرب ، وكذلك الشأن في الألفاظ التي وردت في القرآن مما وقع مثله في بعض اللغات الأعجمية ، لا يمكن القول بناء على ذلك إن القرآن نزل بتلك اللغات( ). قال ابن قتيبة : " غير جائز أن يكون في القرآن لغة تخالف لغة قريش ، لقوله تعالى :وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إلا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق هذه اللغات لغة قريش"( )
إن القول بنزول القرآن الكريم بلغة قريش يتوافق مع شواهد التأريخ وطبيعة اللغات البشرية ، والعقل يقتضي أن تكون لغة أهل مكة ذات خصائص لغوية متجانسة ، وأن لغة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانت متطابقة مع تلك اللغة ، وأن معنى نزول القرآن بلغة قريش أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يتلو القرآن ويبلّغه على نحو يطابق نطق العربية السائد في مكة ، وكان أهل مكة يسمعون منه القرآن ، ولا يستشكلون ذلك النطق ، كما أنهم لا يصعب عليهم تقليده .
ولا شك في أن القول بنزول القرآن بلغة قريش ينأى عن الإشكالات التي يثيرها القول بنزول القرآن بلغة عدد من قبائل العرب أو لغة جميعهم ، كما ذهب إلى ذلك عدد من علماء السلف ، كما سنبين في الفقرة اللاحقة ، أو القول بنزول القرآن باللغة العربية الأدبية المشتركة التي يفترض بعض الباحثين المحدثين وجودها في عصر نزول القرآن( ). كما أن القول بنزول القرآن بلغة قريش لا يتعارض مع ما جاء في الروايات الصحيحة من نزول القرآن على سبعة أحرف ، كما سنبين ذلك في الفقرة الآتية من هذا البحث .
(2) الرخصة في القراءة :
يمكن للدارس أن يقسم تاريخ قراءة القرآن في عصر النبوة على فترتين : المكية والمدنية ، وذلك بالاستناد إلى التنوع اللغوي للمخاطبين وعدمه ، ففي الفترة المكية كان هناك تجانس لغوي بشكل عام بين المؤمنين الداخلين في الدين ، فمعظمهم من أهل مكة وسكان مكة هم من قبيلة قريش ، فلم يكن يصعب عليهم تلاوة القرآن بالنطق الذي يتلقون به القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم .
وفي الفترة المدنية حدث تغيير من ناحيتين : الأولى : دخول أفراد من قبائل عربية شتى في الإسلام ، من بيئات لغوية مختلفة ، والثانية : ازدياد أعداد الداخلين في الدين ، خاصة بعد فتح مكة ، حين تقاطرت وفود القبائل على المدينة من أقطار الجزيرة العربية ، حتى سميت سنة تسع من الهجرة سنة الوفود( ).
وقد ترتب على ذلك التغير أمران : الأول : الحاجة إلى المعلمين الذين يقومون بتعليم تلك الجموع الغفيرة ، والثاني : بروز صعوبات تعترض المتعلمين تتعلق بالخصائص اللغوية ، أو تفاوت القدرات الذهنية في الحفظ والضبط .
وأمكن سد الحاجة من المعلمين بالاستعانة بالقراء من الصحابة ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل رجل في الإسلام قال لأصحابه : " فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه وعلّموه القرآن ".( ) وقال عبادة بن الصامت , وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن : " كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُشْغَلُ ، فإذا قدم رجل مهاجرٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم – دفعه إلى رجل منا يُعلّمه القرآن"( ).
وكان - صلى الله عليه وسلم – يدعو المتعلمين إلى أخذ القرآن من علماء القراءة من الصحابة ، حيث قال : " خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب "( ) . وقد كان لكل واحد من هؤلاء الأربعة دور في تعليم القرآن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – وبعده.( )
وأما الصعوبات التي اعترضت المتعلمين بسبب الاختلاف اللغوي ، أو بسبب عوامل أخرى كالأمية أو صعوبة الحفظ ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – لم يدع تلك العوائق تحول دون تعلم أصحابه القرآن ، لكنه لم يحملهم على تعلم نطق قريش إذا عجزوا عن تحقيقه بكل خصائصه ، بل رخّص لهم بقراءته بما يستطيعون ، وقد عبَّر عن هذه الرخصة قوله – صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه " .
ويصور ذلك ما نقله أبو شامة المقدسي عن بعض الشيوخ أنه قال:" الواضح من ذلك يكون أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلفهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم ، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك فتأخذه العزة ، فجعلهم يقرؤون على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم مَنّاً منه – عزّوجلّ – لئلا يكلفهم ما يشق عليهم ، فيتباعدوا عن الإذعان ".( )
وجاء في كلام علماء السلف ما يوضح سبب الرخصة الذي أشرت إليه ، قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ( ت205هـ) : " فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزلَّ ، ليُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ، ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى ، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معناه "( ).
وقال ابن قتيبة ( ت 276هـ) : " فكان من تيسيره : أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم ، وما جرت عليه عاداتهم ... ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمِرَ أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً ، لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه ، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وقطع للعادة ، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل متسعاً في اللغات ، ومتصرفاً في الحركات"( ).
وقال القاسم بن ثابت السرقسطي ( ت 302هـ) في كتابه الدلائل في غريب الحديث : " إن الله تبارك وتعالى بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم – والعرب متناءون في المحالِّ والمقامات ، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات ... فأسقط عنهم تبارك وتعالى هذه المحنة ، وأباح لهم القراءة على لغاتهم"( )
وقال أبو جعفر الطحاوي ( ت 321هـ) : " إنما كانت هذه السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم ، لأنهم كانوا أميين لا يكتبون إلا القليل منهم ، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات ، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة ، فوُسّعَ لهم في اختلاف الألفاظ ... "( ). وردَّد كثير من علماء القراءة اللاحقين هذا المعنى في سبب الرخصة.( )
وورد في إحدى روايات حديث رخصة الأحرف السبعة ما يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء العلماء في سبب الرخصة ، فقد أخرج الترمذي عن أبي بن كعب أنه قال : " لَقِيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – جبريل ، فقال : يا جبريل إني بُعِثْتُ إلى أمة أُميين منهم العجوز ، والشيخ الكبير ، والغلام ، والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط ، قال : يا محمد ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبي بن كعب من غير وجه.( )
قال أبو شامة المقدسي محدداً أسباب الرخصة كما وردت في هذا الحديث : " قلت فمعنى الحديث أنه رُخّصَ لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها أو ما يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف ، ولم يُلزَموا المحافظة على حرف واحد ، لأنه :
(1) نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه .
(2) مع كبر أسنانهم ، واشتغالهم بالجهاد والمعاش فرُخّصَ لهم في ذلك.
(3) ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها ، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله"( ).
ويبدو أن الرخصة في القراءة كانت بعد الهجرة ، وتدل على ذلك القرائن الواردة في بعض روايات حديث الأحرف السبعة ، وهي نوعان :
(1) قرائن مكانية : مثل ذكر ( المسجد) في بعض الروايات. ( )
والمقصود به مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في المدينة . وأَضََاة بني غفار( ). والأَضَاة بوزن الحَصَاة : الغدير أو مستنقع الماء ، وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بني غِفار ، لأنهم نزلوا عنده( ). وأحجارُ المِراء( ). قال مجاهد : هي قباء( ).
(2) قرائن شخصية : إن أكثر أسماء الصحابة الذين رووا الحديث هم من الأنصار ، أو من غيرهم ممن تأخر إسلامهم إلى ما بعد الهجرة ، وأشهر حديث في الباب هو حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم - رضي الله عنهم – قد وقعت أحداثه بعد فتح مكة ،لأن هشام بن حكيم أسلم هو وأبوه يوم الفتح.( )
وقال ابن حجر : " فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة"( ). وهذا أمر يقوِّي مذهب من يقول إن الرخصة كانت بسبب اختلاف اللغات ، لأن أكثر من أسلم بعد الهجرة كان من القبائل العربية من غير قبيلة قريش التي نزل القرآن الكريم بلسانها.
وإذا كان الراجح أن بدء الرخصة كان بعد الهجرة ، حين ظهرت الحاجة إلى التيسير في القراءة ، فإن تقدير زمن انتهائها يحتمل أمرين : الأول : أن الرخصة كانت في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وانتهت بوفاته ، والثاني : أن الرخصة استمرت حتى نسخ المصاحف في خلافة عثمان - رضي الله عنه – والأول ينبني على أن الرخصة في القراءة توقيف منه - صلى الله عليه وسلم – والثاني يقتضي أن من الرخصة ما كان موسعاً فيه على القارئ بما يستطيع( ). وسوف أعود لمناقشة هذين الاحتمالين بعد أن أستوفي البحث في حقيقة الرخصة وأبعادها ، إن شاء الله تعالى .
وأشار بعض العلماء إلى أن غير العربي يقرأ بلغة قريش ، قال أبو شامة المقدسي : " وأما من أراد من غير العرب حفظه فالمختار له أن يقرأه على لسان قريش ، وهذا إن شاء الله تعالى هو الذي كتب فيه عمر إلى ابن مسعود ، رضي الله عنهما : ( أقرئ الناس بلغة قريش ) لأن جميع لغات العرب بالنسبة إلى غير العربي مستوية في التعسر عليه ، فإذا [ كان] لا بد من واحدة منها ، فلغة النبي - صلى الله عليه وسلم- أولى له"( ).

(3) حقيقة الرخصة في القراءة :
يُعَبّرُ حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال فيه : " إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف " عن الرخصة في القراءة ، وتوصف أحياناً برخصة الأحرف السبعة ، وليس من هدفنا الآن ذكر روايات الحديث أو البحث في أسانيدها ، فقد تكفلت بذلك دراسات سابقة ، قديمة وحديثة( )
وأكتفي بالإشارة إلى أن رواة الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم – بلغوا واحداً وعشرين صحابياً( )، وأن أبا عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ ) نصّ على تواتره( ). ويهمنا هنا البحث في معنى الأحرف السبعة وعلاقتها بقراءة القرآن .
ويمكن تصنيف روايات الحديث بناء على ما ورد فيها إلى ثلاث مجموعات هي( ):
1. مجموعة روايات تتضمن حصول نقاش بين بعض الصحابة حول القراءة ولجوئهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فيسمع منهم قراءاتهم ويقرهم عليها ويقول لهم : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه . وقد حدث مثل ذلك النقاش بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم ، وبين أبي بن كعب ورجل من الصحابة ، وكذلك حصل لعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنهم .
2. مجموعة روايات وردت الإشارة فيها إلى حوار بين جبريل – عليه السلام – والنبي - صلى الله عليه وسلم – حول قراءة القرآن وعلى كم حرف يُقرأ ، ومن أشهرها حديث أبي بن كعب ، وحذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " لقيت جبريل عند أحجار المِراء ، فقلت : يا جبريل إني بُعثت في امة أميين ... " ، وقد مرّ كاملاً
3. مجموعة روايات أشارت إلى قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " وجاء في بعض الروايات : " كلها شافٍ كافٍ " أو " أيّها قرأت أصبت " ، كما ورد ذلك في حديث أم أيوب الأنصارية ، وأبي هريرة ، ورواية عن ابن مسعود ، وغيرهم ، رضي الله عنهم .
ولم يرد في أي من روايات الحديث تحديد للأحرف السبعة ، قال أبو بكر ابن العربي : " لم تتعين هذه السبعة بنص من النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ولا بإجماع من الصحابة ، وقد اختلفت فيها الأقوال"( ). ولكن المتأمل في الروايات لا يخطئ تحديد موضوعها وهو قراءة القرآن ، فالاختلاف الحاصل بين الصحابة كان في الألفاظ المسموعة ، لا في المعاني المفهومة( ). وقد قال محمد بن شهاب الزهري بعد روايته لحديث الأحرف السبعة : " بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحداً ، لا يختلف في حلال ولا حرام"( )، وأخرج الطبري عن أبي العالية الرياحي (ت 90هـ) أنه قال : " قرأ على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من كل خمسٍ رجلٌ ، فاختلفوا في اللغة ، فرضي قراءتهم كلهم ، وكانت بنو تميم أعرب القوم"( ) بلفظ : " قرأ عند النبي " ،والباقلاني في نكت الانتصار ( ص 387) بلفظ : " قرأ عليه من كل حي رجل " ] . وهذا يدل على أن الصحابة اختلفوا في قراءة القرآن ، ونزلت الرخصة بالتيسير عليهم في القراءة ، ولم يختلفوا في المعاني والأحكام. ( )
وقد اختلف الناس في معنى حديث " الأحرف السبعة " اختلافاً كبيراً( )، وقال الإمام ابن تيمية ، في إجابته حين سئل عن المراد بالأحرف السبعة : " هذه مسألة كبيرة، قد تكلم فيها أصناف العلماء،من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والكلام وشرح الغريب وغيرهم"( ). وقال القرطبي : " قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف على خمسة وثلاثين قولاً ، ذكرها أبو حاتم محمد بن حيان البستي "( ) .وأوردها السيوطي في كتابه الإتقان( ). وقد أوصل السيوطي الأقوال في معنى الحديث إلى أربعين قولاً.( )
وقد يفزع القارئ من سماع هذه الأعداد من الأقوال ، وقد يجعله ذلك يتشكك في إمكانية إدراك معنى الحديث أو الوقوف على المراد منه ، لكن الاطلاع على تلك الأقوال يجعل القارئ يضعها في إطارها الصحيح ، وكان الشرف المزني المرسي الذي نقل تلك الأقوال عن ابن حبان قد قال : " هذه الوجوه أكثرها متداخلة ، ولا أدري مستندها ، ولا عمّن نقلت ، ولا أدري لِمَ خصَّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ... وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح ، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنما اختلفا في قراءة حروفه ".( )
ولا يخفى على الناظر في تلك الأقوال أن معظمها لا علاقة له بقراءة القرآن ، لأنها تتعلق بالمعاني والأحكام ، وهي الأقوال من (1-19) والأقوال من ( 31- 35) ، وبقي منها أحد عشر قولاً ستة منها تدور حول تفسير الأحرف بسبع لغات ، وما بقي يدور حول وجوه النطق المختلفة( ).
ولا يبقى من تلك الأقوال بعد التمحيص إلا ثلاثة أو أربعة صالحة للعرض والمناقشة .
وذكر الزركشي أن أبا جعفر بن محمد بن سعدان الكوفي النحوي ( ت 231هـ) قال : " إنه من المشكل الذي لا يُدرى معناه ، لأن العرب تُسمي الكلمة المنظومة حرفاً ، وتُسمي القصيدة بأسرها كلمة ، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة ، والحرف أيضاً المعنى والجهة. ( ).
وعَدَّهُ السيوطي من المتشابه ، فقال في كتابه ( تنوير الحوالك ) : " وأرجحها عندي قول من قال : إن هذا من المتشابه الذي لا يدرى تأويله ، فإن الحديث كالقرآن منهم المحكم والمتشابه " [1/160] , لكنه قال في كتابه ( الديباج) : " المختار أن هذا من متشابه الحديث الذي لا يُدرى تأويله ، والقدر المعلوم منه تعدد وجوه القراءات ".( )، وإنما يبحث العلماء في هذا القدر المعلوم منه ، وهو تعدد وجوه القراءات .
ولعل من المفيد ، قبل مناقشة أشهر الأقوال في معنى الحديث ، أن أشير إلى دلالة كلمة ( الحرف) في اللغة ، ليسهل تفهم أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة ، جاء في لسان العرب : الحرف في الأصل الطرف والجانب، وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحدُّه ، وحرف الشيء ناحيته ، وفلان على حرف من أمره أي على ناحية منه ، كأنه ينتظر ويترقب ، وفي التنزيل العزيز  ومن الناس من يعبد الله على حرف  [ الحج 11] أي على شك . والحرف من حروف الهجاء معروف ، والحرف الأداة أو الرابطة ، والحرف القراءة التي تُقرأ على أوجه( )
وذكر الداني وجهين في تسمية الوجه من القراءة حرفاً ، فقال : " يتوجه إلى وجهين :
أحدهما : أن يكون يعني بذلك أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات ، لأن الأحرف جمع حرف ، في الجمع القليل ، مثل فَلْس وأفلس ورأس وأرؤس ، والحرف قد يراد به الوجه ... فلهذا سَمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – هذه الأوجه المختلفة من القراءات ، والمتغايرة من اللغات أحرفاً ، على معنى أن كل شيء منها وجه على حدته ، غير الوجه الآخر ، كنحو قوله تعالىSad ومن الناس من يعبد الله على حرف ) أي على وجه إن تغير عليه تغير عن عبادته وطاعته على ما بيناه .
والوجه الثاني : من معنى الأحرف : أن يكون – صلى الله عليه وسلم – سَمَّى القراءات أحرفاً على طريق السعة ، كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه ... فلذلك سمَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – القراءة حرفاً ، وإن كانت كلاماً كثيراً ، من أجل أن منها حرفاً قد غُيّر نظُمه ، أو كُسِرَ ، أو قلب إلى غيره ، أو أُميل ، أو زِيدَ ، أو نُقص منه ، على ما جاء في المختلف فيه من القراءة "( ).
وفي ما يأتي عرض موجز ومناقشة مركزة لأهم الأقوال في معنى الأحرف السبعة :
1. الأحرف السبعة : سبعة وجوه من وجوه القراءات :
نسب بعض المؤلفين إلى الخليل بن أحمد أنه قال : معنى قوله سبعة أحرف : سبع قراءات ، والحرف ها هنا القراءة( ). وقال الزركشي : وهو أضعفها( ). ونقله بعض المحدثين بتعريف الكلمتين فقال : " القول الثالث : هو أن المراد بالأحرف السبعة : القراءات السبع ، وهو قول الخليل بن أحمد، وذلك قول ضعيف ..." ( ). ومعلوم لدى المتخصصين أن مصطلح ( القراءات السبع) لم يكن معروفاً في زمن الخليل ، قال ابن تيمية : " لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم – أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة ، بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ، وكان على رأس المئة الثالثة ببغداد ... "( ).
ويبدو لي أن قول الخليل في تفسير الأحرف لم يُفْهَمْ على ما أراد، ويترجح عندي أنه أراد بقوله : " سبع قراءات " : سبعة وجوه من القراءة ، قال في العين : " وكل كلمة تقرأ على وجوه من القراءات تسمى حرفاً "( ). ولعله يكون بهذا التفسير قد فتح باباً لمن جاء بعده من العلماء الذين حملوا ( الأحرف السبعة) على سبعة أوجه من القراءة .
فقد قام جماعة من أهل العلم بتصنيف الاختلاف الموجود في القراءات على سبعة وجوه ، وجعلوا كل وجه حرفاً من تلك الأحرف ، وبعض العلماء اقتصر على تصنيف الاختلاف الموجود في القراءات الصحيحة المشهورة ، وبعضهم تعدَّى ذلك إلى القراءات الشاذة المخالفة لخط المصحف .
ولعل ابن قتيبة ( ت 276هـ) هو أقدم من فعل ذلك ، فقد قال في كتابه ( تأويل مشكل القرآن) : " وإنما تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( نزل القرآن على سبعة أحرف ) : على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن ... وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ... "( ).
وتابع ابنَ قتيبة في تفسير الأحرف على هذا النحو عددٌ كبير من علماء القراءات ، من المتقدمين والمتأخرين( ) ، وهم قد يختلفون في بعض التفاصيل لكنهم متفقون على الأساس الذي قام عليه تفسيرهم للأحرف السبعة ، وهو تقسيم وجوه القراءات على سبعة أقسام ، لتكون بعدد الأحرف التي نزل عليها القرآن .
ولا شك في أن القراءات القرآنية ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، وأن هذه الأحرف لا تجد تفسيرها إلا في تلك القراءات ، لكن نقطة الضعف في هذا المذهب هي عدم وجود ما يؤكد قصد النبي - صلى الله عليه وسلم – لهذه الوجوه التي يحمل عليها الحديث . قال أبو شامة المقدسي : " وهذه الطرق المذكورة في بيان وجوه السبعة الأحرف في هذه القراءات المشهورة كلها ضعيفة ، إذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم ، ومن الممكن تعيين ما لم يعينوا ، ثم لم يحصل حصر جميع القراءات في ما ذكروه من الضوابط ، فما الدليل على جعل ما ذكروه مما دخل في ضابطهم من جملة الأحرف السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم "( ).
2. الأحرف السبعة : سبع لغات :
كان أبو عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) من أقدم من فَسَّرَ الحديث ، وهو أول من حمله على اللغات ، فقال في كتاب ( غريب الحديث) " : قوله : سبعة أحرف ،يعني سبع لغات من لغات العرب ، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ، هذا ما لم نسمع به قط ، لكن نقول : هذه اللغات متفرقة في القرآن ، فبعضه نزل بلغة قريش ، وبعضه بلغة هُذَيْل ، وبعضه بلغة هوزان، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات ، ومعانيها في هذا كله واحدة ، ومما يبين ذلك قول ابن مسعود : إني سمعت القَرَأةَ فوجدتهم متقاربين ، فاقرؤوا كما علّمتم ، إنما هو كقول أحدهم : هَلُمَّ وتعالَ ، وكذلك قال ابن سيرين : إنما هو كقولك : هلم وتعال وأقبل . ثم فسّره ابن سيرين فقال : في قراءة ابن مسعود ( إن كانت إلا زَقْيَةً واحدة) ،وفي قراءتنا :  إنْ كانت إلا صيحة واحدة  [يس 29] ... ولا يكون المعنى في السبعة الأحرف إلا على اللغات لا غير، بمعنى واحد ،لا يختلف فيه حلال ولا حرام ولا خبر ولا غير ذلك "( ).
وقال أبو عبيد في كتابه ( فضائل القرآن ) :" وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يُقرأ على سبعة أوجه ، هذا شيء غير موجود ، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب ، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة ، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى ، والثالث بلغة أخرى سواهما ، كذلك إلى السبعة ، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظاً فيها من بعض ، وذلك بَيِّنٌ في أحاديث تترى"( ) ، ونقل أبو عبيد رواية عن أنس بن مالك بنزول القرآن بلغة قريش ، ونقل روايتين عن عبد الله بن عباس في تسمية القبائل التي نزل القرآن بلغاتها( ).
قال السيوطي : " وإلى هذا ذهب أبو عبيد ، وثعلب ، والأزهري ، وآخرون ، واختاره ابن عطية ، وصححه البيهقي في الشعب ".( )
قال ابن عبد البر : " وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنزل القرآن على سبعة أحرف : سبع لغات ، وقالوا هذا لا معنى له ،لأنه لو كان ذلك كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر ، لأنه من كانت لغته شيئاً قد جُبِلَ وطبع عليه وفُطِرَ به لم يُنْكَر عليه ، وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي مكي ، وقد اختلفت قراءتهما ...". ( )
وقال الطبري إن هذا القول : " لا يجهل فساده ذو عقل ، ولا يلتبس خطؤه على ذي لب ... مع إن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل في تأويله قول النبي – صلى الله عليه وسلم- : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " وادعائه إن معنى ذلك سبع لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جمع بين قيله ذلك ، واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رُوِيَتْ عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين ، أنه قال : هو بمنزلة قولك : تعال وهلم وأقبل ، وأن بعضهم قال : هو بمنزلة قراءة عبد الله : إلا زقية ، وهي في قراءتنا : إلا صيحة ، وما أشبه ذلك ، عُلِمَ أن حُجَجَهُ مُفْسِدَةٌ في ذلك مقالته ، وأن مقالته فيه مضادة حججه ..." ( ).
وأشار الطبري إلى أن الآثار المروية في تعيين تلك اللغات لا تقوم بها حجة ، فقال : " ورُوِيَ جميع ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله"( ).
ومن الدارسين المحدثين من رجَّح هذا القول( )، لكن أكثرهم ضعَّفه وردَّ عليه.( )

3. الأحرف السبعة : سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى :
ضعَّف الطبري ( ت 310هـ) تفسير أبي عبيد للأحرف السبعة بأنها سبع لغات متفرقة في القرآن ، وردَّه ، وقال : " بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلمَّ ، وأقبل ، وتعال ، وإليَّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب المنطق وتتفق فيه المعاني ... "( ).
وذهب الطبري إلى أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه – جمع المسلمين على حرف واحد ، حين أمر بانتساخ المصاحف ، وأن الأحرف الستة الأخرى قد تُرِكَتِ القراءة بها حتى دَرَسَتْ من الأمة معرفتها( )، بناء على أن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخُيِّرَت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت( )
ويرى الطبري أن القراءات التي يقرأ بها القراء اليوم لا علاقة لها بالأحرف السبعة ، حيث قال : " فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " أُمرت أن اقرأ القرآن على سبعة أحرف " بمعزل ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن ، مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى ، يوجب المِراءُ به كُفْرَ المماري به ، في قول أحد من علماء الأمة "( )
وانتصر ابن عبد البر ( ت 463هـ) لمذهب الطبري في تفسير الحديث ، وقال : " وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي – صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف سبع لغات ... وقالوا : إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة،نحو: أقبل وتعال وهلم ، وعلى هذا الكثير من أهل العلم( ).
وذكر ابن عبد البر أن سفيان بن عينية ( ت 198هـ) سُئِلَ عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين : هل تدخل في السبعة الأحرف ؟ فقال : لا ، وإنما السبعة الأحرف كقولهم : هَلُمّ ، وأقْبِلْ ، وتَعَالَ ، أيَّ ذلك قلت أجزأك( ) . ولعل الطبري استند إلى رأي سفيان في تفسيره للأحرف السبعة.
ومن المحدثين مَن رجَّح هذا المذهب( ) ، ومنهم من أنكره لأنه يمكن أن يُستدل به على جواز " تأدية المعنى باللفظ المرادف "( ) ، وهو ما يفتح باب القول بجواز القراءة بالمعنى ، كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين متشبثين بهذا التفسير للأحرف السبعة.( )
لكن الروايات والآثار المنقولة عن بعض الصحابة والتابعين تشير إلى شيء من ذلك ، كالتمثيل بالأفعال : هلم وتعال وأقبل ، وصيحة وزقية ، لكن البعض يجعل ذلك من باب التفسير وليس القراءة ، على نحو ما سنشير إلى ذلك عند الحديث عن القراءات المخالفة لرسم المصحف .
تلك أهم الأقوال في تفسير الأحرف السبعة ، ولا يكاد قول منها يسلم من مأخذ أو اعتراض ، وهو ما يمنع من اعتماد واحد منها أو ترجيحه ، ولكن تلك الأقوال بينها تداخل وارتباط ، وقد يكمل بعضها بعضاً في فهم الرخصة في القراءة ، ومن ثم لا يجوز إلغاء أي منها ، لأن كل واحد منها يمت إلى أصل الموضوع بسبب :
(1) فالقول إن الأحرف هي سبعة من وجوه القراءات يتخذ من الآثار التي ترتبت على الرخصة أساساً للتفسير ، لكن آراء العلماء تباينت في كيفية حصر تلك السبعة ، لكونهم يستندون إلى الاجتهاد في ذلك .
(2) والقول إن الأحرف سبع لغات من لغات العرب متفرقة في القرآن ، فيكون بعضه بلغة هذه القبيلة ، وبعضه بلغة أخرى ، وهكذا ، لا يبتعد عن سبب الرخصة ، وهو اختلاف اللغات ، لكنه لا يؤدي إلى التيسير في القراءة بقدر ما يؤدي إلى التعقيد ، فبدلاً من قراءة القرآن بلغة قريش فإن القارئ سيقرؤه بسبع لغات .
(3) والقول إن الأحرف سبع لغات في حرف واحد وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، قد يعبِّر عن وجه من وجوه التيسير لكنه يثير أكثر من إشكال ، فهو يحصر الرخصة في إبدال كلمة بأخرى ، ويَعُدُّ القراءات الموجودة اليوم لا تدخل في الأحرف السبعة ، ولا يبين القائلون بهذا القول أصل هذا القراءات ومصدرها .
وكذلك فإن الاختلاف بين لغات العرب لا يصل إلى أن يكون للمعنى الواحد لفظ مغاير في كل لغة من تلك اللغات ، لأن الاختلاف بينها إذا وصل إلى هذه الدرجة فإنها ستكون لغات مستقلة لا يجمعها اسم العربية ، ولا يخفى على القارئ أن علماء العربية والقراءة حين يستخدمون كلمة ( لغات) فإنهم يقصدون ما يسميه اللغويون اليوم باللهجات .
ويلخص الدكتور إبراهيم أنيس هذه القضية بقوله : " فلا بد أن تشترك لهجات اللغة الواحدة في الكثرة الغالبة من الكلمات ومعانيها ، وفي معظم الأسس التي تخضع لها بنية الكلمات ، وفوق هذا وذاك في تركيب الجمل ، فإذا اختلفت معاني معظم كلماتها ، واتخذت أسساً خاصة في بنية كلماتها ، وقواعد خاصة في تركيب جملها ، لا تسمى حينئذ لهجة ، بل لغة مستقلة ، وإن ظلت تتصل وغيرها بوشائج تجعلها تنتمي إلى فصيلة واحدة من الفصائل اللغوية "( ) ، فالقول بوجود هذا الاختلاف في الألفاظ المستخدمة في اللهجات العربية للتعبير عن المعاني أمر لا يتناسب وطبيعة اللغات البشرية وسننها .
وإذا كانت القراءات القرآنية جميعها ، مشهورها ، وشاذها ، ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، فينبغي البحث عن تفسير الأحرف السبعة في إطار الاختلاف بين القراءات ، وإذا كان القرآن الكريم قد نزل بلغة قريش ثم جاءت الرخصة بعد ذلك في التيسير بقراءته بما اعتادوا عليه من لهجاتهم ، فظهرت القراءات ، فإن الأحرف السبعة لا تخرج عن صور التباين بين اللهجات العربية ، ولهذا وجدنا أنظار علماء السلف في تفسير الأحرف السبعة تتجه نحو لغات العرب ، وإن اختلفت وجهات نظرهم في ذلك .
وإذا كانت محاولات تحديد الأحرف السبعة كلها لا تخلو من اعتراض ، فهل من الضروري الإصرار على تعيين السبعة ؟ وصرف الجهد في تأييد قول وردِّ الأقوال الأخرى ؟ والنتيجة في النهاية واحدة ،هي أن هذه القراءات ناتجة من تلك الرخصة .
ولعل مثل هذا الشعور هو الذي حمل طائفة من علماء السلف على القول بأنه من المُشْكِل ، ومرَّ من قبل قول السيوطي : " المختار أن هذا من متشابه الحديث الذي لا يدرى تأويله ، والقدر المعلوم منه تعدد وجوه القراءات"( ).
ولعل ذلك أيضا هو الذي حمل بعضاً من العلماء على القول بعدم إرادة حقيقة العدد في الحديث ، وإنما الدلالة على التيسير والسعة ، وقد أشار إلى ذلك الخطابي ( ت 388هـ) بقوله : " وقيل فيه وجه آخر ، وهو أن المراد به التوسعة ، وليس حصراً للعدد "( ).
وقال الأندرابي ( ت 500هـ) : " وقال آخرون : إن لفظ السبعة التي في هذا الخبر جاء على جهة التمثيل ، لأنه لو جاء في كلمة أكثر من سبع قراءات جاز أن يقرأ بها ، كما جاء لمثل ذلك لفظ السبعين في قوله : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم  [ التوبة 80] ، ألا ترى أنه لما قال النبي – صلى الله عليه : " لأزيدن على السبعين " أنزل الله تعالى : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم  [ المنافقون 6] ، روي هذا عن الحسن . ووجه ذلك أن السبعة والسبعين عند العرب أصل للمبالغة في العدد"( ).
وقال النووي : " قال القاضي عياض ( ت 544 هـ) : قيل هو توسعة وتسهيل ، ولم يقصد به الحصر "( ).
وقال أبو شامة المقدسي ( ت 665هـ) : " إنه جرى كالمَثَلِ في التعبير على التكثير ، لا حصراَ في هذا العدد، والله أعلم "( ).
وقال ابن الجزري ( ت 833هـ) : " وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص ، بل المراد السعة والتيسير ، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب من حيث أن الله تعالى أذن لهم في ذلك ، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مئة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر ، قال تعالى :  كمثل حبة انبتت سبع سن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الجزء الاول من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ :: القراءات وأحكام التجويد :: المنتدى الاول-
انتقل الى: