لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ
أخي الزائر الكريم ...................................
نرحب بك في منتدى تجويد القرآن الكريم فأهلاً بك في منتداكم( لمسات البيان لتجويد القرءان) ان هذا المنتدى منكم واليكم ......
شارك معنا بما تجود به من مقال ، او سيرة ، اوتحقيق مما يخدم كتاب الله....
أخي الزائر الكريم انك لم تسجل بعد ، قم بالتسجيل أولاً .............. وان كنت مسجلا قم بالدخول مع الرحبً والسعة .. لطفاً..........
نَوَّ ر المنتدى بوجودكم فأهلا بكم .............

لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ

أحكام تجويد...قراءات....علوم قرءان.....لغة عربية....تفاسير ....بلاغة.....تراجم وسير .. مقالات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الثاني من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انيس القراء

avatar

عدد المساهمات : 19
نقاط : 47
تاريخ التسجيل : 15/12/2011

مُساهمةموضوع: الجزء الثاني من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد   الإثنين 19 ديسمبر 2011, 23:07

ثانياً : علاقة رخصة الأحرف السبعة بكتابة القرآن
(1) مراحل كتابة القرآن والأسس التي قامت عليها :
مرّت كتابة القرآن بثلاث مراحل ، يستند بعضها إلى بعض ،أولاها : كتابته على الرقاع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم – وثانيتها : جمع الرّقاع في الصحف في خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وثالثتها نسخ الصحف في المصاحف في خلافة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ولسنا بحاجة هنا للدخول في تفصيل تلك المراحل ، وإنما الذي يهمنا هو تتبع الأسس التي قامت عليها الكتابة ومدى انعكاس رخصة الأحرف السبعة عليها .
كان زيد بن ثابت أشهر كتبة الوحي في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وكان مختصاً بهذا العمل معنياً به ، وبيته قريب من بيت رسول الله ، فهو يقول : " كنت جار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي "( ). وكان يحتفظ في بيته بأدوات الكتابة فإذا نزل الوحي قال رسول الله : " أدْعُ لي زيداً ، وَلْيَجِئْ باللوح والدواة "( ).
وكانت كتابة القرآن في هذه المرحلة تخضع للمتابعة والمراجعة والتدقيق من لدن النبي – صلى الله عليه وسلم- فتدقق بعد الكتابة مباشرة ، يقول زيد : " كنت أكتب الوحي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وهو يُمْلِي عليَّ ، فإذا فرغتُ قال : اقرأهُ فأقرؤُهُ ، فإن كان فيه سقطٌ أقامه ، ثم اخْرُجُ به إلى الناس "( ). وتُراجع الرقاع بعد ذلك من كتبة الوحي ، قال زيد : " بينما نحن حول ( وفي رواية عند ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نؤلف القرآن من الرقاع ، إذ قال : طوبى للشام ! قيل : يا رسول الله ولم ذاك ؟ قال : إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها".( )
وتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والقرآن في الرقاع لم يجمع في صحف ، قال محمد بن شهاب الزهري:" قُبِضَ النبي- صلى الله عليه وسلم- ولم يكن القرآن جُمع في شيء ، وإنما كان في الكرانيف والعسب "( ). وكان القرآن كله كُتِبَ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في الصحف والألواح والعسب ، لكن غير مجموع في موضع واحد.( )
وليس هناك ما يشير إلى دخول شيء من وجوه القراءة التي جاءت بها رخصة الأحرف السبعة في كتابة القرآن في هذه المرحلة ، فالقرآن كان يُكتب بإملاء النبي - صلى الله عليه وسلم – ويقرؤه زيد بعد الفراغ من الكتابة للتأكد من صحة المكتوب ، ولم يكن صعباً على زيد بن ثابت تفهم نطق النبي - صلى الله عليه وسلم – للقرآن ، وكتابته ، فلم تكن الفوارق اللغوية كبيرة بين لغة قريش ولغة أهل المدينة ، وكلاهما ترجعان إلى مجموعة لغوية عربية واحدة هي اللغة الحجازية ، ومن المرجح أن قراءة زيد بن ثابت للقرآن كانت تماثل قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لتلقيها منه ، وكتابتها بين يديه ، واعتياده لها لكثرة سماعها منه – صلى الله عليه وسلم - .
وصرّح الشيخ محمد أبو زهرة إن كتابة القرآن في هذه المرحلة لم يدخلها شيء من رخصة الأحرف السبعة ، وذلك في قوله : " إن الذي كتب في عصر النبي – صلى الله تعالى عليه وسلم – لم يعتره تغيير ، ولم تجر عليه الحروف السبعة ، وإن الحروف السبعة كانت في قراءة القرآن لا في كتابته ".( )
وفي خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – جُمِعَ القرآن في الصحف بعد أن كان مفرقاً في الرقاع ، وقام بالعبء الأكبر في ذلك العمل كاتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – زيد بن ثابت ، وقال له أبو بكر : " إنك رجل شابٌّ ،عاقلٌ ، لا نَتَّهِِمُك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – فتتبع القرآن فاجمعه " ، وكان ذلك بعد حروب الردة ، ومعركة اليمامة خاصة ، في قصة معروفة رواها البخاري وغيره.( )
وكان هدف أبي بكر من ذلك جَمْعَ القرآن في صحف منظمة يُؤْمَنُ معها ضياع شيء من القرآن ، ولم يكن ما قام به زيد سوى نقل الرقاع المتفرقة إلى صحف متتابعة يضمها لوحان ، وليس هناك ما يشير إلى تتبع زيد للقراءات التي ترتبت على الرخصة ، لتثبيتها في الصحف ، فإذا كان الراجح أن ما كُتِبَ بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – من القرآن كان بلسان قريش ، ولم تدخله آثار رخصة الأحرف السبعة فإن الصحف تابعة في ذلك للأصل الذي نُقلت منه .
وذهب عدد من العلماء إلى أن الصحف كانت محتوية جميع الأحرف السبعة ونسب ابن الجزري هذا المذهب إلى عدد من العلماء ، وذلك في قوله :" والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر ، وأبي العباس المهدوي ، ومكي بن أبي طالب ، وأبي القاسم الشاطبي ، وابن تيمية وغيرهم ، وذلك أن المصاحف ( كذا) التي كتبت في زمن أبي بكر–رضي الله عنه – كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة( )
ولم أجد في ما اطلعت عليه من كلام هؤلاء العلماء النص على ذلك سوى الشاطبي ( ت590هـ) الذي قال في قصيدته ( عقيلة أتراب القصائد ) التي نظم فيها كتاب ( المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ) لأبي عمرو الداني( ):
فأجْمَعُوا جَمْعَهُ في الصُّحْفِ واعتمدوا زَيد بن ثابتٍ العدلَ الرضى نظرا
فقامَ فيه بعونِ اللهِ يَجْمَعُهُ بالنُّصْحِ والجدِ والعزمِ الذي بهرا
من كلّ أوْجُهِهِ حتى اسْتَتَمَّ لـهُ بالأحرفِ السبعةِ العليا كما اشتهرا
وصرح الداني بذلك في (المقنع ص120) حيث قال : " إن أبا بكر – رضي الله عنه – كان قد جمعه أولاً على السبعة الأحرف التي أذن الله عز وجل للأمة في التلاوة بها ، ولم يخص حرفاً بعينه ، فلما كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأعلمه حذيفة بذلك رأى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يجمع الناس على حرف واحد من تلك الحرف وأن يسقط ما سواه " . وأشار الداني إلى ذلك أيضاً في كتابه الكبير ( جامع البيان في القراءات السبع المشهورة ) ( )
وتابع شرَّاح العقيلة ناظمها في القول بذلك ، فقال علم الدين السخاوي : " فجمع زيد بن ثابت - رضي الله عنه – هذه الأحرف السبعة وكانت متفرقة في الصحابة، ومجموعة عند بعضهم"( ) . وكذلك فعل ابن القاصح في شرحه (تلخيص الفوائد) [ ص 13] ، لكن الجعبري استشكل عبارة الشاطبي ، و حاول إيجاد دليل عليها ، فقال : " ودل قولهSadحتى استتم له بالسبعة الأحرف) على أن زيداً كتب القرآن كله بجميع وجوه قراءاته ، والمُعبَّّر عنها بـ ( السبعة الأحرف ) ، وليس في كلام أبي بكر وزيد - رضي الله عنهما – تصريح بذلك ، بل هو مفهوم سياق كلامهما ، لأن أبا بكر أمر بكتابة القرآن كله ، وكل حرف من الحروف السبعة بعض من أبعاض القرآن ، فلو أخلَّ ببعضها لم يكن قد كتب القرآن كله"( )
والذي أرجحه هو خلو الصحف من أي أثر لرخصة الأحرف السبعة ، لكونها منقولة من الرقاع التي كَتَبَ عليها زيد بن ثابت القرآن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم – والتي كُتِبَتْ على لغة قريش المنزَّل عليها القرآن ، والسياق التاريخي يدل على ذلك ، لأن جمع تلك الوجوه في الكتابة أمر بالغ الصعوبة والتعقيد ، وأنه لا ضرورة تدعو إلى تجشم عناء تلك المهمة ، ما دام اللفظ المنزل للقرآن محفوظاً .
وبَينَ السنةِ الثانية عشرة من الهجرة ، التي كُتِبَتْ فيها الصحف ، والسنة الخامسة والعشرين التي نُسِخَتْ فيها المصاحف ، اتسعت بلاد الإسلام ، وتضاعف عدد المسلمين ، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ، وتولى ذلك علماء القراءة من الصحابة ، واستغرق ذلك معظم خلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –الذي أبدى اهتماماً عظيماً بتعليم الناس القرآن والفقه والعربية ، فأرسل المعلمين إلى الأمصار لتعليم القرآن ، فكان زيد بن ثابت وأبي بن كعب في المدينة ، وعبد الله بن مسعود في الكوفة ، وأبو موسى الأشعري في البصرة ، وأبو الدرداء في دمشق ، ومعاذ بن جبل في فلسطين ، وعبادة بن الصامت في حمص( ). وتكونت حول هؤلاء الصحابة مدارس لإقراء القرآن والتفسير والفقه .
وكان من نتائج تلك الجهود في تعليم القرآن أمور منها :
(1) بروز الخلاف في القراءة ، وهو استمرار للوجوه التي كان يقرأ بها الصحابة القرآن ، في ظل رخصة الأحرف السبعة ، لكن الأجيال اللاحقة لم تكن تدرك ما أدركه الصحابة من حكمة تلك الرخصة ، فاشتد الجدل بين المعلمين والمتعلمين ، وجعل بعضهم يخطّئُ قراءة الآخر( ).
(2) ظهرت في الأمصار مصاحف مكتوبة على قراءة الصحابة الذين أخذوا عنهم القرآن ، قال ابن عطية : " واشتهرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كُتِبَتْ عن الصحابة ، كمصحف ابن مسعود ، وما كُتِبَ عن الصحابة في الشام ، ومصحف أبي بن كعب ، وغير ذلك . وكان في ذلك اختلاف حسب السبعة الأحرف التي أنزل القرآن عليها"( ).
وجعل ذلك عثمان بن عفان يفكر في جمع الأمة على مصحف واحد ، بعد أن بلغه اختلاف الناس في القراءة ، وكان أول ما بدأ به هو استشارة الصحابة الذين في المدينة حول ذلك الأمر ، فقالوا : نعم ما رأيت( ). واتخذ من الصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر أساساً لنسخ المصاحف الجديدة .
وانتدب الخليفة لهذا العمل أربعة من الصحابة ، من ذوي الحفظ والمعرفة بالكتابة ، وهم زيد بن ثابت الأنصاري ، وثلاثة من أبناء المهاجرين من قريش وهم : عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، على ما جاء في رواية البخاري في صحيحة.( )
وحدد الخليفة لهؤلاء الصحابة الأساس اللغوي الذي يستندون إليه في تثبيت نص القرآن ، والقراءة التي يرسمون نطقها في المصاحف ، فجاء في تلك الرواية : " وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل القرآن بلسانهم " ، وسبق تحقيق القول في مسألة نزول القرآن بلغة قريش بما يغني عن إعادة الكلام عليها هنا مرة أخرى .
والقضية التي ينبغي الوقوف عندها هي تحديد دلالة كتابة القرآن بلسان قريش ،وقد حمله الجعبري على ( مصطلحهم في الكتابة ) ( ) ، لكن علم الدين السخاوي فسره بقوله : " يريد لحنهم ولسانهم ولغتهم "( ) ، وهو الرأي الراجح ، لأن الخلاف كان في القراءة والنطق وليس في مصطلح الرسم ، وحين عرضوا المصاحف وتوقفوا عند بضعة كلمات ، منها : ( التابوت ) و ( لم يتسنه ) سألوا علماء القراءة عنها مثل أبي بن كعب وزيد بن ثابت ، لتحقيق كيفية النطق ، وليس لمعرفة شكل الكتابة( ).
وجاء في كثير من المصادر تسمية القراءة التي كُتِبَ عليها المصحف المستندة إلى لغة قريش باسم قراءة العامة( )، وقراءة الجماعة( )، وقد تسمى قراءة زيد بن ثابت ، لأنه كتبها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – وقرأها عليه ، وشهد العرضة الأخيرة ، وكان يقرئ الناس بها حتى مات ، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه ،وولاه عثمان كتب المصاحف.( )
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي ( ت 74هـ) قوله : " كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة ، كانوا يقرؤون قراءة العامة ، وهي القراءة التي قرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – على جبريل مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه ، وكان علي - رضي الله عنه – طول أيامه يقرأ مصحف عثمان ويتخذه إماماً ".( )
وذهب عدد من العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة ، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني : " الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وضبطتها عنه الأمة ، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها،وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواتراً".( )
وقال الداني : " ... وأن أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – ومن بالحضرة من جميع الصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف وأخبروا بصحتها ،وأعلموا بصوابها ، وخيّروا الناس فيها ... وأن من هذه الأحرف حرف أبي بن كعب ، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت ... "( ) وقد يبدو رأي الداني هذا مناقضاً لما قاله في (المقنع ص 120) الذي مر من قريب.
ولا شك في أن جمهور العلماء يذهبون إلى أن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد ، وهو حرف زيد بن ثابت ، المستند إلى لغة قريش ، وأن الأحرف الستة الأخرى لم تدخل في الكتابة ، وقال الطبري : إن عثمان – ر ضي الله عنه – قد أسقطها وتُرِكَت القراءة بها( ) . وهذا قول قد جمع فيه الطبري بين الصواب وغيره ، وهو محض اجتهاد منه ، وقد ناقشه العلماء وبينوا وجه الحق فيه.( )
ويجب التفريق بين القول : إن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد وقراءة واحدة ، وهو أمر ثابت ، ويتناسب مع الغاية التي أرادها عثمان والصحابة من نسخ المصاحف ، وبين القول : إن رسم المصحف يحتمل أكثر من حرف أو قراءة ، بسبب تجرد الكتابة من النقط والشكل . قال مكي بن أبي طالب : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف ، إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً
، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية "( ). وسأتحدث عن القضية في الفقرة الآتية .
(2) القراءات القرآنية بعد نسخ المصاحف العثمانية :
من الحقائق التي تمخض عنها البحث في أصول الكتابة العربية في عصر صدر الإسلام أنها كانت خالية من نِقاط الإعجام وعلامات الحركات ، وكان الداني قد قال قديماً : " إن العرب لم تكن أصحاب نقط وشكل "( ). وكانت المصاحف العثمانية مجردة من تلك العلامات شأنها شأن ما كان يكتب بالعربية في ذلك الزمان .
وذهب بعض علماء السلف إلى أن الصحابة جرَّدوا المصاحف من النقط والشكل ليحتمل خطها أكثر من قراءة ، فالداني الذي قال : إن العرب لم تكن أهل نقط وشكل ، يقول : " وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها،فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها"( ) . وأشار إلى ذلك ابن تيمية أيضا ،حين قال في إجابته المشهورة عن سؤال حول الأحرف السبعة : " فإنه إذا كان قد سَوَّغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ ، مع تنوع الأحرف في الرسم ، فَلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى . وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كُتِبَتْ غير مشكولة ولا منقوطة ، لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين ، كالتاء والياء ، والفتح والضم ، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ، وتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهاً بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المفهومين "( ). وأخذ ابن الجزري هذه الفكرة عن ابن تيمية( )، وذكرها بعض المحدثين( )، لكنها فكرة لا يؤيدها ما عُرِف من تاريخ الكتابة العربية ، فلم تَعْرِفِ الكتابة العربية نظاماً لنقاط الإعجام وللحركات إلا على يد أبي الأسود الؤلي ( ت 69هـ) ونصر بن عاصم الليثي ( ت 90هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170هـ) ( ).
وإذا كانت القراءة تتوقف صحتها والأخذ بها على روايتها وتلقيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم – وصحابته ، فإن موافقتها لرسم المصاحف العثمانية صارت شرطاً ثانياً يميز بين القراءة الصحيحة المقبولة والقراءة الشاذة المتروكة ، وصار الرسم " هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن"( ) ، وإنما حصَّل مصحف عثمان - رضي الله عنه – هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه( ).
ومما يلفت النظر ، ويثير العجب قول ابن حزم : " فمن أين وجب أن يراعى خط المصحف ، وليس هو من تعليم رسول الله ، لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، واتباع عمل من دون توقيف منه - عليه السلام - لا حجة فيه ولا يجب قوله"( ). لكن رسم المصحف وإن لم يكن من تعليم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإنه كُتِبَ بين يديه ، وعلى لفظه ، وكان يستعيد ما كتبه الكاتب ليتأكد من صحته ، وهو من عمل الصحابة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ونحن لم نعرف القرآن إلا عن طريقهم ، وصارت المصاحف العثمانية أصح وثيقة لحفظ نص القرآن الكريم ، منذ أن كتبت المصاحف إلى زماننا هذا .
وبعد نسخ المصاحف في خلافة عثمان ، وتفريقها في الأمصار ، وتحريق ما سواها ، صارت هي الحجة في قراءة القرآن ، فما وافق رسم هذه المصاحف من القراءات المروية عن الصحابة كان مقبولاً وصحت القراءة به ، وما كان مخالفاً لرسمها تُرِكت القراءة به ، وإن كان مروياً ، لمخالفته خط المصحف الذي أجمع الصحابة على كتابته ، وتكفي في تأكيد هذه الحقيقة بضعة نصوص :
قال أبو عبيد ( ت 224هـ) في كتابه ( فضائل القرآن) بعد أن ذكر الروايات التي تخالف خط المصحف " ويُحْكَمُ بالكفر على الجاحد لهذا الذي بين اللوحين خاصة ، وهو ما ثبت في الإمام الذي نسخه عثمان بإجماع من المهاجرين والأنصار ، وإسقاط ما سواه ، ثم أطبقت الأمة .. فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إلا بالإسناد والروايات التي يعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس ، فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين ، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه ... فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرة للقرآن"( ).
وقال ابن قتيبة ( ت 276هـ) : " كل ما كان موافقاً لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه جاز لنا أن نقرأ به ، وليس لنا ذلك في ما خالفه"( ).
وقال إسماعيل القاضي (ت282هـ):"فإذا اختار إنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد،وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة،والذين هم حجة على الناس كلهم،يعني خط المصحف"( ).
وقال أبو منصور الأزهري ( ت370هـ) : " من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف ، وخالف في ذلك جمهور القَرَأة المعروفين فهو غير مصيب ، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديماً وحديثاً ".( )
ووضع علماء القراءة مقياساً لقبول القراءة أو ردها ، منذ أول عصر التأليف في علم القراءات ، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) ، صاحب أول كتاب جامع في القراءات ، يستند إلى ذلك المقياس في اختيار القراءة في ما كُتِبَت فيه هاء السكت ، فقال : " الاختيار عندي في هذا الباب كله الوقوف عليها بالهاء بالتعمد لذلك ، لأنها إن أدرجت في القراءة مع إثبات الهاء كان خروجاً من كلام العرب ، وإن حذفت في الوصل كان خلاف الكتاب ، فإذا صار قارئها إلى السكت عندها على ثبوت الهاءات اجتمعت له المعاني الثلاثة من أن يكون :
- مصيباً في العربية .
- وموافقاً للخط .
- وغير خارج من قراءة القراء ".( )
وقال مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437هـ) وهو يتحدث عن أقسام القراءات : " قسم يُقْرَأ به اليوم ، وذلك ما اجتمعت فيه ثلاث خِلال ، وهي : أن يُنْقَلَ عن الثقات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعاً ، ويكون موافقاً لخط المصحف"( ).
وصارت القراءات المخالفة لخط المصحف في حكم المنسوخة ، قال مكي : " وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف ، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف( )". ومرَّ من قبل أن بعض العلماء لا يعد ما خالف الخط قراءة ، وإنما هي على التفسير .
وبعد هذا العرض لطبيعة العلاقة بين القراءات والرسم بعد نسخ المصاحف العثمانية تلزم الإجابة عن سؤالين :
الأول : هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة ؟
والآخر : هل القراءات التي يُقْرَأ بها القراء السبعة أوالعشرة هي جميع الأحرف السبعة أم بعضها ؟
والإجابة عن هذين السؤالين متداخلة وينبني بعضها على بعض .
أما السؤال الأول فقد أجاب عنه ابن الجزري بقوله :" إن هذه مسألة كبيرة اختلف العلماء فيها ، فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها ، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر ، وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين ، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك ، وقال هؤلاء : ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة ، ولا أن يُجمعوا على ترك شيء من القرآن .
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة ، جامعة العرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم – على جبريل – عليه السلام – متضمنة لها ، لم تترك حرفاً منها . قلت( ابن الجزري) : وهذا القول هو الذي يظهر صوابه ، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له"( ).
ولا شك في أن المذهب الثاني الذي رجحه ابن الجزري هو الصواب ، لكنه يحتاج أن نضيف إليه ملاحظة وهي أنه يجب أن نؤكد على أن المصاحف العثمانية كُتِبَت على حرف واحد وقراءة واحدة ، وسمح الخط بقراءتها بأكثر من حرف أو وجه . وهذا ينقلنا إلى الإجابة عن السؤال الثاني ، وهو هل القراءات التي يُقْرَأ بها مما وافق خط المصحف هي جميع الأحرف السبعة أم بعضها ؟
والإجابة عن هذا السؤال تحتمل أمرين : فمن قال إن ما خالف خط المصاحف العثمانية من الأحرف السبعة – وهو الراجح – فإنه يقول : إن ما وافق الخط من القراءات بعض الأحرف السبعة لا كلها . ومن قال : إن ما خالف الخط مما روي أن بعض الصحابة كان يقرأ به ، إنما هو تفسير لا قراءة فإنه يقول : إن القراءات الموافقة للخط هي جميع الأحرف السبعة .
ومما له صلة بهذه القضية ما ذهب إليه الطبري من أن قراءات القراء المشهورين لا علاقة لها بالأحرف السبعة ، بناء على مذهبه في أن مصحف عثمان كُتِبَ على حرف واحد وأن الستة الأحرف الأخرى قد اندثرت( )، وذلك حيث قال :" فأما ما كان من اختلاف القراء في رفع حرف وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر،مع اتفاق الصورة ،فمن معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم – بمعزل ... "( ).
وكان سفيان بن عينية قد سبق الطبري إلى مثل هذا القول ، بناء على أن الأحرف السبعة في رأيه هي كقولهم : هلم ، وتعال ، وأقبل ، مما فيه إبدال لفظ بلفظ مرادف له( ) على نحو ما أشرنا من قبل إلى مذهب سفيان والطبري في معنى الحرف السبعة .
وهذا المذهب يثير إشكالاً كبيراً ويتركه من غير إجابة ، وهو إذا لم تكن هذا القراءات من الأحرف السبعة فما هو مصدرها، وما مستندها ؟ وأشار القرطبي إلى أن بعض العلماء يقول : إن هذه القراءات السبع راجعة إلى حرف واحد من الأحرف السبعة ،وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف( ). وهذا القول لا يبتعد كثيراً عن مذهب الطبري.
والخلاصة في العلاقة بين القراءات ، وهي الوجه العملي لرخصة الأحرف السبعة ، ورسم المصحف ، هي أن ما كان مخالفاً للرسم من القراءات التي كان يقرأ بها الصحابة قد تُرِكَتِ القراءة به ، وصار في حكم المنسوخ ، وقد يروى لبيان معنى أو للاحتجاج للغة ، وما كان موافقاً للخط مما ثبتت روايته هو الذي قرأت به القراء ، ولكننا لا يمكن أن نحدد الحرف الذي كَتَبَ عليه عثمان بن عفان - رضي الله عنه – المصاحف ، فكل وجه يحتمله خط المصحف ، يمكن أن يكون من ذلك الحرف ،وذلك بسبب التمازج الذي حصل بين القراءات بسبب ظاهرة الاختيار في القراءة التي سنتحدث عنها في الفقرة الآتية، إن شاء الله .
وكان مكي قد أحسن التعبير عن هذه القضية ، في رأيي ، وأنقل للقارئ ما قاله : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف ، إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً ، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية ، إذ لا يخلو أن يكون ما اخْتُلِف فيه من لفظ الحروف التي [ لا ] تخالف الخط : إما هي مما أراد عثمان ، أو مما لم يرده إذ كتب المصحف . فلا بد أن يكون إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً ، لكنا لا نعلم ذلك بعينه ، فجاز لنا أن نقرأ بما صحَّت روايته مما يحتمله ذلك الخط ، لنتحرى مراد عثمان - رضي الله عنه – ومن تبعه من الصحابة وغيرهم . ولا شك في أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه : ليس مما أراد عثمان , فالزيادة لا بد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ... "( ).
وإذا قرأ القارئ برواية من الروايات فإنه يكون قد قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها ، وقد أوضح هذه الحقيقة أبو عمرو الداني بقوله : " وأما هذه السبعة الأحرف فإنها ليست متفرقة في القرآن كلها ، ولا موجودة في ختمه واحدة ، بل بعضها ، فإذا قرأ القارئ بقراءة من قراءات الأئمة وبرواية من وراياتهم فإنما قرأ ببعضها لا بكلها ، والدليل على ذلك إنا قد أوضحنا من قبل أن المراد بالسبعة الأحرف سبعة أوجه من اللغات ، كنحو اختلاف الإعراب ، والحركات والسكون ، والإظهار والإدغام ، والمد والقصر ، والفتح والإمالة ، والزيادة للحرف ونقصانه ، والتقديم والتأخير ، وغير ذلك مما شرحناه ممثلا قبل . وإذا كان هذا هكذا فمعلوم أن من قرأ بوجه من هذه الأوجه ، وقراءة من القراءات ، ورواية من الروايات ، أنه لا يمكنه أن يحرِّك الحرف ويسكنه في حالة واحدة ، أو يقدمه ويؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ، أو يفتحه ويميله ، إلى ما أشبه هذا من اختلاف تلك الأوجه والقراءات والروايات في حالة واحدة ، فدّل على صحة ما قلناه"( ).
وقد لا يكون القارئ به حاجة إلى التذكير بأن رسم المصحف لم يكن سبباً لنشأة القراءات ، فالقراءات سابقة على الرسم ، ناتجة من رخصة الأحرف السبعة ، لكن الرسم ميَّز بين نوعين من القراءات فما خالف الرسم تُرِكَتِ القراءة به ، بعد الإجماع على مصحف عثمان ، واستمرت القراءة بما وافق الرسم من وجوه الأحرف السبعة ، مما رُخّصَ لهم بقراءته( ).
3. الانتقال من الأحرف إلى القراءات :
كان يقال : حرف زيد بن ثابت، وحرف أبي بن كعب ، وحرف عبد الله بن مسعود( )، ثم صار يقال : قراءة نافع ، وقراءة عاصم، وقراءة ابن كثير ... وهكذا ، وربما قيل : قراءة زيد ، لكن غلب على المتقدمين استخدام كلمة ( حرف) للإشارة إلى قراءات الصحابة ، وكلمة ( قراءة) للإشارات إلى اختيارات علماء القراءة من التابعين وتابعيهم .
وكانت مدارس القراءة بدأت تتشكل حول المصاحف التي أرسلها عثمان إلى كل مصر من الأمصار الخمسة ، فتلقى التابعون القراءة عن علماء القراءة من الصحابة ،وأدَّوْها إلى تابعي التابعين ، وهكذا تناقلت أجيال الأمة قراءات القرآن عبر العصور . لكن رواية القراءات في القرن الأول والثاني خضعت لظاهرة جديدة تركت آثارها على القراءات ، وهي " ظاهرة الاختيار " في القراءة .
وكلمة ( الاختيار) تدل على المفاضلة بين أمرين أو أكثر، واصطفاء أحدهما ، وصارت للكلمة في علم القراءات دلالة أكثر تحديداً ، وهي التعبير عن قيام قارئ للقرآن باعتماد وجه من وجوه القراءة المروية ، في كل حرف من حروف القرآن المختلف في قراءتها، في تعليمه القرآن وتلاوته له ، فيقال : اختيار فلان، أي قراءته التي اختارها . قال مكي : " وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرؤوا لجماعة ، وبروايات ، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار "( ).
وليس معنى اختيار القارئ قراءة أنه يقوم باختراعها، قال أبو عمرو الداني : " وإن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة ، كأُبيٍّ وعبد الله وزيد وغيرهم ، من قبل أنه كان أضبط له ، وأكثر قراءة وإقراء به ، وملازمة له، وميلاً إليه لا غير .
وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة بالأمصار المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة ، وآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه ، حتى اشتهر وعُرف به،وقُصِدَ فيه ، وأُخِذَ عنه ، فلذلك أُضيف إليه دون غيره من القراء،وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم ، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد"( ).
وظاهرة الاختيار في القراءة قديمة ترجع إلى عصر التابعين ، أو أقدم من ذلك ، فقد روي أن عبد الله بن عباس قال : " قراءتي قراءة زيد ، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود"( ). وذكر ابن الجزري أنها ثمانية عشر حرفاً( ). والذي حملهم على الاختيار هو أنهم التقوا بعدد من الشيوخ وأخذوا منهم قراءتهم، وفيها من وجوه الاختلاف ما هو معروف ، فلما أرادوا تعليم القراءة لتلامذتهم ومن يقرأ عليهم لم يمكنهم تعليم تلك الوجوه كلها لتلامذتهم ، فاختار كل واحد منهم قراءة يتمسك بها ويعلمها ، فاشتهرت عنهم تلك الوجوه التي اختاروها ، وعرفت باختيار فلان أو قراءته .
ولا يتسع المقام لتتبع جميع اختيارات القراء ، ولذلك فإني سأكتفي بما يوضح الظاهرة ويبين أثرها على القراءات ورواياتها ، وسوف أتتبع الظاهرة في قراءات مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ومدينة الكوفة ، فهي أكثر بروزاً في هاتين المدينتين، في عصر التابعين وتابعي التابعين ، وأقف بعد ذلك على أثر هذه الظاهرة على القراءات القرآنية وروايتها .
أما المدينة فإن القراءة الغالبة فيها كانت قراءة زيد بن ثابت ، التي توافق قراءة جمهور الصحابة فيها ، وكانت تعرف بقراءة الجماعة ، أو العامة ، وهي التي كُتِبَت عليها المصاحف ، لكن المدينة لم تخلُ من القراءات الأخرى ، وقد تلقى التابعون تلك القراءات عن الصحابة ، ثم تجمعت عناصرها في قراءة نافع بن أبي نعيم ، الذي قرأ على سبعين من التابعين( ). وكان أشهر شيوخه في القراءة خمسة ، هم : عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117هـ) ، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع (ت130هـ) ، وشيبة بن نصاح (ت130هـ) ، ومسلم بن جندب الهذلي ( ت 110هـ) ، ويزيد بن رومان ( ت120هـ).( )
قال نافع : " أدركت هؤلاء الخمسة وغيرهم ... فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذَّ فيه واحد تركته ، حتى الّفتُ هذه القراءة".( )
وكان نافع يُقرئ الناس بجميع القراءات إلا أن يقول له إنسان أريد قراءتك ، فيقرئه حينئذ باختياره.( )
أما الكوفة فإنها كانت من أكثر المدن الإسلامية نشاطاً في القراءة بعد المدينة المنورة ، وذلك لنزول عدد من علماء الصحابة فيها ، واتخاذها عاصمة في خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - . قال ابن مجاهد : " وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين منهم قراءة عبد الله بن مسعود ...فلم تزل قراءة عبد الله بالكوفة لا يعرف الناس غيرها ، وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان - رضي الله تعالى عنه – الناس عليها أبو عبد الرحمن السُّلَمي ، واسمه عبد الله بن حبيب ، فجلس في المسجد الأعظم ، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن ، ولم يزل يُقرئ بها أربعين سنة".( )
وحين مات أبو عبد الرحمن السلمي سنة 74هـ( ) خلفه في موضعه عاصم بن أبي النجود ( ت 127هـ) ( )وقال عاصم : ما أقرأني أحدٌ حرفاً إلا أبو عبد الرحمن السلمي ، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي - رضي الله تعالى عنه – وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زِرِّ بن حُبَيْشٍ ، وكان زِرٌّ قد قرأ على عبد الله"( ).
ونقل ابن سوار البغدادي ( ت 496 هـ ) رواية عن أبي عمر الدوري ، سوف أوردها على ما فيها من طول ، لأنها تتعلق بقراءتنا التي نقرأها اليوم ، ولدلالتها على موضوع الاختيار ، وهي من الروايات العزيزة التي لم أقف عليها في ما اطلعت عليه من مصادر ، قال : " سألت أبا عمارة حمزة بن القاسم الأحول الكوفي ، وكان من أصحاب حمزة المعدودين في القراءة ، عن سبب الاختلاف بين حفص بن سليمان وأبي بكر شعبة بن عياش ، فقال : على الخبير سقطت ، سألت حفص بن سليمان عن ذلك ، وقلت له : إن أبا بكر بن عياش يخالفك عن عاصم في حروف كثيرة ؟! قال أبو عمارة : وكانت أم حفص تحت عاصم ، وعاصم ربَّاه مذ كان طفلاً ، فقال : قرأت هذه القراءة على عاصم حرفاً حرفاً ، ولم أخالف عاصماً في حرف من كتاب الله تعالى . وأخبرني عاصم أنه قرأ علي أبي عبد الرحمن السلمي ، وهي التي أخذها عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وعامتها عن علي بن أبي طالب – رضوان الله عليهم .
قال حفص : فصححت القراءة على عاصم حتى لم أشك في حرف منها .وكان يقرأ بهذه القراءة زماناً من الدهر ، وكان قد قرأ على زر بن حبيش صاحب عبد الله ، فاختار بعد أن قطعت القراءة عليه ، من حروف عبد الله وحروف زر هذه القراءة التي علمها أبا بكر بن عياش .
قال حفص : فلم أحب الرجوع عن قراءة أبي عبد الرحمن ، فثبتُّ عليها ، وهي قراءة عاصم التي لم يزل يقرأها "( ).
وكان من قراء الكوفة علي بن حمزة الكسائي ( ت 189هـ) قبل انتقاله إلى بغداد ، قال ابن مجاهد : " وكان علي بن حمزة الكسائي قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات ، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة ، غير خارجة عن آثار مَن تقدّم من الأئمة".( )
وكان القراء يخضعون في اختيارهم القراءة إلى ضوابط أو شروط ، وهي التي سماها العلماء أركان القراءة الصحيحة، التي أشرنا إليها من قبل ، قال مكي : " وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرأوا لجماعة ، وبروايات ، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءةً تنسب إليه بلفظ الاختيار ... وأكثر اختياراتهم إنما هي في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء : قوة وجهه في العربية ، وموافقته للمصحف ، واجتماع العامة عليه"( ).
وكانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد تركت آثاراً عميقة في تشكيل القراءات بالشكل الذي استقرت عليه منذ عصر ابن مجاهد ( ت 324هـ) ومن أهمها ما يأتي :
(1) امتزاج قراءات الأمصار :
كانت قراءات الأمصار متميزة بعضها عن بعض ، فكانت تغلب على أهل كل مصر قراءة من قراءات القراء المشهورين من الصحابة ، فكانت في المدينة قراءة زيد بن ثابت ، وفي الكوفة قراءة عبد الله بن مسعود ، وفي البصرة قراءة أبي موسى الأشعري ، وفي الشام قراءة أبي الدرداء ، وقد تداخلت هذه القراءات في عصر التابعين وتابعي التابعين ، واختفت بأسمائها المعروفة لتظهر في أسماء جديدة هي اختيارات القراء من التابعين وتابعيهم.
وتقدِّم مدينة الكوفة مثالاً واضحاً على ذلك التمازج ، فكانت القراءة الأولى فيها قراءة عبد الله بن مسعود ، ثم جاءها أبو عبد الرحمن السلمي مع المصحف الذي أرسله عثمان بن عفان - رضي الله عنه – وأقرأ بها أربعين سنة حتى توفي سنة 74هـ ، وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة عن طريقه .
وكان أهل الكوفة شديدي التمسك بقراءة عبد الله ،فكان صغيرهم وكبيرهم يقرأ قراءته( )، لكن قراءة أهل المدينة ، وهي التي تعرف أحيانا قراءة زيد بن ثابت ، انتشرت حتى نافست قراءة عبد الله ، فكان سعيد بن جبير (ت 95هـ) يَؤُمُّ الناس في الكوفة في رمضان ، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود ، وليلة بقراءة زيد بن ثابت( ). وبعد نصف قرن تقريباً كانت الغلبة لقراءة زيد بن ثابت ، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش ( ت 148هـ) : " أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم ، ما يقرؤها إلا الرجل والرجلان "( ).
وإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني ، فإن عناصر تلك القراءة قد دخلت في قراءة قراء الكوفة المشهورين عن طريق تلامذة ابن مسعود من التابعين ، فكان حمران بن أعين الكوفي ، شيخ حمزة بن حبيب الزيات ( ت 130هـ) : " يقرأ قراءة ابن مسعود ، ولا يخالف مصحف عثمان ، يعتبر حروف معاني عبد الله ، ولا يخرج من موافقة مصحف عثمان،وهذا كان اختيار حمزة"( ). كما أن قراءة زيد بن ثابت لم تعد ظاهرة للعيان محددة المعالم ، فقد مزج علماء القراءة من تابعي التابعين بينها وبين قراءة ابن مسعود وغيرها ، بما يوافق خط المصحف ، وكذلك الحال في قراءة أهل البصرة والأمصار الإسلامية الأخرى .
ولم يكن أثر الاختيار يقف عند حد اختفاء اسم زيد وعبد الله من القراءات ، وظهور اسم نافع أو عاصم أو حمزة وغيرهم ، وإنما يتجاوز ذلك إلى انتقال وجوه القراءات من قراءة إلى أخرى، بما لا يقع تحت الحصر ، ولكن يمكن أن يكون ذلك واضحاً من خلال ظاهرتي الهمز والتسهيل ، والفتح والإمالة ، فالهمز والإمالة ظاهرتان تغلبان على قراءة أهل العراق الأولى ، والتسهيل والفتح يغلبان على قراءة أهل المدينة القديمة ، وأدَّت ظاهرة الاختيار إلى انتقال الهمز إلى قراءة أهل المدينة ، وظاهرة الفتح إلى قراءة أهل العراق .
(2) ازدياد عدد القراء :
كان عدد القراء من الصحابة الذين تصدَّروا للإقراء واشتهرت قراءتهم لا يتجاوز العشرة ، لكن عدد القراء أصحاب الاختيارات تضاعف في عصر التابعين وتابعي التابعين ، وبلغوا العشرات ، بسبب اتساع بلاد المسلمين ، وازدياد الحاجة إلى التعليم ، واستقر في عرفهم أن من يتصدى للإقراء له أن يختار قراءة يعلّمها من يقرأ عليه ، واكتفى بعضهم برواية قراءة شيخه، وكانت النتيجة ظهور عشرات الاختيارات في القراءات ، في القرون الثلاثة الأولى .
وانعكس ذلك على كتب القراءات القديمة، فكان كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ( ت 224هـ) يضم خمسة وعشرين قارئاً، وكان كتاب إسماعيل القاضي ( ت 282هـ) فيه عشرين قراءة ، وجاء بعده محمد بن جرير الطبري ( ت 310هـ) وجمع في كتابه في القراءات نيفاً وعشرين قراءة( ). ولا تضم هذه الكتب جميع أصحاب الاختيارات من تلك الفترة .
وأدرك ابن مجاهد البغدادي ( ت 324هـ) ما أدت إليه ظاهرة الاختيار من كثرة القراءات ، وامتنع عن اختيار قراءة تنسب إليه ، فقد نقل تلميذه أبو طاهر أبي هاشم أن رجلاً سأل ابن مجاهد : " لِمَ لا يختار الشيخ لنفسه حرفاً يحمل عنه ؟ فقال : نحن أحوج إلى أن نُعْملَ أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا ، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"( ).

(3) اختيار القراءات السبع :
توقفت ظاهرة الاختيار بعد رفض ابن مجاهد اختيار قراءة تسمى باسمه ، لكن أثر الظاهرة كان ماثلاً أمام نظر ابن مجاهد ، وما يمثله من ثقل على المتعلمين للقراءات ، فأقدم على دراسة الاختيارات وصنفها إلى صنفين ،الاختيارات الصحيحة المشهورة ، والاختيارات الشاذة المهجورة ، وألف كتابين : الأول ( كتاب السبعة ) الذي ضمنه اختيارات القراء السبعة المشهورين، وهم : نافع ، وابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وابن عامر . والثاني : كتاب ( شواذ السبعة) الذي ضمنه بقية الاختيارات التي لم تشتهر شهرة السبعة( ).
ووصف ابن الجزري ابن مجاهد بأنه ( أوَّلُ مَنْ سَبَّعَ السبعة) ( )، ولم يكن يُعرف قبل ابن مجاهد مصطلح القراء السبعة ، ولا القراءات السبع ، لكنه اشتهر بعد ابن مجاهد، حتى عدَّ بعضهم ما عدا السبع شاذاً( )، وكثرت المؤلفات في السبع ، ثم أضيفت إليها ثلاث قراءات هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ، فصارت القراءات المتواترة عشراً ، ولهذا الموضوع تفصيل لا تدعو هنا حاجة للاسترسال فيه .
(4) تأصيل أركان القراءة الصحيحة :
احتاج علماء القراءة إلى ضوابط لتمييز القراءة المقبولة وغيرها ، بعد أن كثرت الاختيارات، " فوضع الأئمة لذلك ميزاناً يُرجع إليه ، وهو السند والرسم والعربية"( ).
وكان اختيار ابن مجاهد للقراءات السبع قد ترك انطباعاً بأن ما عداها شاذ ، وتطور معنى الشذوذ في القراءة ، فبعد أن كانت القراءة الشاذة ما خالف خط المصحف ، صارت كل قراءة سوى القراءات السبع تعد شاذة ، وظن بعض من لا علم له أن هذه القراءات هي المقصودة بحديث الأحرف السبعة ، ومن ثم كره بعض العلماء اقتصار ابن مجاهد على هؤلاء السبعة ، وقالوا : هلا زاد عليهم أو نقص منهم ، حتى لا يقع الجهال في مثل ذلك الظن( ).
ولم يمض وقت طويل على عصر ابن مجاهد حتى عادت الشروط الثلاثة هي التي تحدد صحة القراءة أو شذوذها ،فقال مكي بن أبي طالب ( ت 437هـ) : " وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا أن ما صح سنده ، واستقام وجهه في العربية ، ووافق خط المصحف فهو من الأحرف السبعة المنصوص عليها ، ولو رواه سبعون ألفا ، متفرقين أو مجتمعين"( ).
وقال أبو شامة : " فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مراراً من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ، ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمد عليها ، وما عدا ذلك فهو داخل في حيّز الشاذ والضعيف".( )
ومع أن تلك الشروط ظلت هي المعتمدة في قبول القراءة وردها ، إلا أن بعض العلماء المتأخرين يذهب إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام ، بعد أن استقرت القراءات ، وتوقفت الاختيارات ، هي : قسم متفق على تواتره وهو السبع ، وقسم مختلف في تواتره وهو الثلاث بعدها ، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا القراءات العشر( ).

خلاصة
ويمكن - من خلال العرض السابق – تلخيص العلاقة بين القراءات القرآنية والرسم العثماني بما يأتي :
(1) نزل القرآن الكريم بلغة قريش خاصة ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كتّاب الوحي بكتابته على نطقه في الرقاع ، التي نُقِلَت في الصحف في خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ثم نقلت الصحف في المصاحف في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه .
(2) جاءت الرخصة في القراءة لتيسير القراءة على الصحابة الذين شق عليهم التحول من لغاتهم إلى لغة قريش ، مع غلبة الأمية وضعف وسائل التعليم ، وعبّر عن تلك الرخصة حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه ".
(3) كانت الرخصة في القراءة ، ولم يُثبت منها شيء في المصاحف العثمانية ، التي كتبت على لغة قريش التي نزل بها القرآن . وكانت مصاحف الصحابة تتضمن شيئاً من وجوه الأحرف السبعة ، لكن حرق تلك المصاحف جمع الأمة على المصاحف العثمانية المكتوبة على اللفظ المنزل الذي أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بكتابه .
(4) كُتِبَتِ المصاحف العثمانية على حرف واحد وقراءة واحدة ، لكن الخط يحتمل أكثر من قراءة لتجرده من النقاط والحركات ، وترك المسلمون القراءة بما يخالف الخط من القراءات التي تلقوها عن الصحابة ، مما فيه زيادة حرف أو كلمة ، أو تبديل كلمة بكلمة ، وثبتوا على القراءات التي يحتملها خط المصحف، وصارت القراءات المخالفة للخط كالمنسوخة .
(5) تلقى التابعون القراءة عن الصحابة ، وعلمّوها لتابعي التابعين الذين تخصص منهم بالقراءة عدد من العلماء الذين اختار كل واحد منهم من مجموع ما تعلمه من القراءات قراءة داوم عليها ، وعلّمها ، فنسبت إليه ، وتكاثرت اختيارات علماء القراءة ، وفيها القوي والضعيف والصحيح والشاذ ، مما جعل ابن مجاهد يدرس تلك الاختيارات ويميز بينها ، فألَّفَ كتابه ( السبعة في القراءات ) جمع فيه القراءات الصحيحة المشهورة . وألَّف كتابه ( شواذ السبعة ) ضمَّنه ما عد القراءات السبع، مما كان قد اشتهر من قراءات الصحابة والتابعين وتابعيهم إلا أنها لم تبلغ في قوة السند أو موافقة الخط أو القوة في العربية ما بلغته السبع .
(6) كان أثر اختيار ابن مجاهد هذا كبيراً على دراسة القراءات وروايتها ، فاقتدى علماء القراءة بعمله ، حتى استقر في أذهان كثير من الناس أن القراءات السبع هي المتواترة دون غيرها ، واستأثرت بأكبر عدد من المؤلفات ،لكن علماء القراءة بعد ابن مجاهد وجدوا ثلاث قراءات لا تقل عن السبعة في الصحة والقوة ، وهي قراءات أبي جعفر ويعقوب وخلف ، فأضافوها إلى السبع فصارت القراءات الصحيحة عشراً ، وما عداها يعد شاذاً .
(7) التقت في حفظ القرآن جهود علماء الرسم وعلماء القراءة ، ونحن نستطيع القول اليوم : إن هذا الرسم هو الرسم الذي كَتبَ فيه الصحابة القرآن في المصاحف ، بفضل جهود علماء الرسم الذين كتبوا المؤلفات في وصف رسم الكلمات في المصاحف العثمانية ، ونستطيع أن نقول أيضا : إن هذه القراءة هي قراءة الصحابة للقرآن التي تلقوها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا كنا لا نتمكن من القول إنها قراءة زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ، فإننا يمكننا القول إنها قراءة هؤلاء جميعاً ، لا يخرج من قراءتنا شيء عما قرأ به الصحابة - رضوان الله عليهم-
(Cool إن الدارس لتاريخ القرآن رسماً وقراءة تمتلئ نفسه طمأنينة ، وقلبه يقيناً أن هذا القرآن هو الذي نزل به جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – وقرأه على صحابته ، وعلّمه لهم ، وأمرهم بكتابته وتلاوته . والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ،القائل في محكم كتابه : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر 9] .



مصادر البحث
1. الآلوسي ( أبو الثناء محمود بن عبد الله ) : روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني ، دار إحياء الكتب العربية ، بيروت .
2. إبراهيم أنيس ( دكتور ) : في اللهجات العربية ، ط4 ، مكتبة الأنجلو المصرية .
3. ابن الأثير ( المبارك بن محمد ) : النهاية في غريب الحديث والأثر ، تحقيق طاهر محمد الزاوي ومحمود الطناحي ، المكتبة العلمية ، بيروت .
4. الأزهري ( أبو منصور أحمد بن محمد ) : تهذيب اللغة ، القاهرة 1964-1967م .
5. أمير عبد العزيز ( دكتور ) : دراسات في علوم القرآن ، مؤسسة الرسالة ودار الفرقان ، بيروت / عمان 1403هـ = 1983م .
6. ابن الأنباري (محمد بن القاسم ) : إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل ، تحقيق محيي الدين رمضان ، دمشق 1971م .
7. الأندرابي (أحمد بن أبي عمر ) : الإيضاح في القراءات ، تحقيق منى عدنان غني ، أطروحة دكتوراه ، كلية التربية للبنات – جامعة تكريت 2002م .
8. الباقلاني (محمد بن الطيب) : نكت الانتصار لنقل القرآن ، اختصره محمد بن عبد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الجزء الثاني من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ :: القراءات وأحكام التجويد :: المنتدى الاول-
انتقل الى: