لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ
أخي الزائر الكريم ...................................
نرحب بك في منتدى تجويد القرآن الكريم فأهلاً بك في منتداكم( لمسات البيان لتجويد القرءان) ان هذا المنتدى منكم واليكم ......
شارك معنا بما تجود به من مقال ، او سيرة ، اوتحقيق مما يخدم كتاب الله....
أخي الزائر الكريم انك لم تسجل بعد ، قم بالتسجيل أولاً .............. وان كنت مسجلا قم بالدخول مع الرحبً والسعة .. لطفاً..........
نَوَّ ر المنتدى بوجودكم فأهلا بكم .............

لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ

أحكام تجويد...قراءات....علوم قرءان.....لغة عربية....تفاسير ....بلاغة.....تراجم وسير .. مقالات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الثالث من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انيس القراء

avatar

عدد المساهمات : 19
نقاط : 47
تاريخ التسجيل : 15/12/2011

مُساهمةموضوع: الجزء الثالث من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد   الإثنين 19 ديسمبر 2011, 23:17

(2) وجوه المخالفة الجائزة بين الرسم والقراءة :
صارت موافقة القراءة لرسم المصحف أحد أركان القراءة الصحيحة ، منذ نَسْخِ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه – وبناء على ذلك تُرِكت القراءة بالوجوه المخالفة للخط ، وعُدّت شاذة ، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في البحث الأول ، وناقشتُ هناك العلاقة بين الرسم العثماني والأحرف السبعة ، وهي جزء من العلاقة بين الرسم والقراءة ، لكن الحديث هنا يأخذ منحى تطبيقياً أكثر منه نظرياً.
والمقصود برسم المصحف هو طريقة رسم الكلمات ، والحروف التي رسمت بها كل كلمة، من حيث النوع لا من حيث الشكل ، فإن رسم الحروف بخط الثلث أو النسخ أو الكوفي لا يغير من طبيعة العلاقة بين المرسوم والمنطوق .
وقد أدرك علماء الرسم أن بعض الرسوم لا تمثل نطقاً أو وجهاً من وجوه القراءة ، من الصور الكتابية التي أشرت إليها ، مما كان يمثل نطقاً في عهود سابقة ، وتَغَيَّرَ ذلك النطق إلى صورة أخرى ، وبقي الرسم كما هو ، ويلخص ذلك قول ابن المنادي ( أحمد بن جعفر ت 336هـ):"إن من المكتوب ما لا تجوز به القراءة من وجه الإعراب،وإن حكمه أن يترك على ما خُطَّ،ويطلق للقارئين أن يقرؤوا بغير الذي يرونه مرسوماً"( ).
وقال أبو شامة المقدسي : " ولعل مرادهم بموافقة خط المصحف ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها ، فإن في ما يروى من ذلك عن أبي بن كعب وابن مسعود - رضي الله عنهما – من هذا النوع شيئاً كثيراً ، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما سبق تفسيره . وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف فلا اعتبار بذلك في الرسم ، فإنه مظنة الاختلاف ، وأكثره اصطلاح ، وقد خولف الرسم بالإجماع في مواضع من ذلك ، كالصلوة والزكوة والحيوة ،فهي مرسومات بالواو ولم يقرأ أحد على لفظ الواو "( )
وقال الزركشي : " اتفقت في خط المصاحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء ، ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان ، لاستقامة اللفظ وبقاء الخط ، وكان اتباع المصحف سُنَّة لا تخالف"( ).
وقد أتاحت طبيعة رسم المصحف موافقة أكثر من قراءة له ، فالمصحف مكتوب على قراءة واحدة ، لكن خطه يسمح بأكثر من قراءة ، وذلك بسبب :
أ - تجرده من علامات الحركات ونقاط الإعجام .
ب – عدم رسم بعض الحروف أحياناً ، مثل المشدد ، وحروف المد واللين .
ج – رسم بعض الكلمات بأكثر من صورة .
وقال الجعبري وهو يتحدث عن موافقة القراءة لخط المصحف : " وهذه الموافقة تكون تحقيقاً وتقديراً ، لأن الاختلاف يكون اختلاف تغاير ، وهو في حكم الموافق ... وتحقيقه أن الخط تارة يحصر جهة اللفظ ، فمخالفه مناقض ، وتارة لا يحصرها ، بل يُرْسَمُ على أحد التقادير ، فاللافظ به موافق تحقيقاً ، وبغيره تقديراً لتعدد الجهة ، إذ البدل في حكم المبدل ، وما زيد في حكم العدم ، وما حذف في حكم الثابت ، وما وُصِلَ في حكم الفصل ، وما فُصِلَ في حكم الوصل"( ).
ووضَّح ابن الجزري موافقة القراءة لرسم المصحف تحقيقاً وتقديراً ، فقال : " إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقاً ، وهو الموافقة الصريحة ، وقد تكون تقديراً ، وهو الموافقة احتمالاً ، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعاً ، نحو ( السموات والص‍‍لحت واليل والصلوة والزكوة والربوا ) ونحو ( لنظر كيف تعملون ) و ( جايء ) في الموضعين ، حيث كُتِبَ بنون واحدة ، وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف ، وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقاً ، ويوافقه بعضها تقديراً ، نحو : ( ملك يوم الدين ) فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف ، فقراءة الحذف تحتمله تحقيقاً ، كما كُتِبَ ( ملك الناس) وقراءة الألف محتملة تقديراً ، كما كُتِبَ ( مالك الملك) ... على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم ، أو مبدل ، أو ثابت ، أو محذوف ، أو نحو ذلك لا يعدّ مخالفاً ، إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفاضة ، ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء ( تسئلني) في الكهف ، وقراءة ( وأكون من الصالحين ) ، والظاء من ( بضنين ) ونحو ذلك ، من مخالفة الرسم المردود ، فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتُمَشِّيهِ صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول ، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني ، فإن حكمه حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه . وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته"( ).
وإذا كان المصحف العثماني قد كُتِبَ على قراءة واحدة ، فإن خلو الرسم من الحركات ونقاط الإعجام ، قد أتاح قراءته على أكثر من وجه ، لكن القراءة التي كُتِبَ عليها المصحف لم تعد متميزة عن غيرها بسبب ظاهرة الاختيار التي أشرت إليها من قبل ، فصارت كل قراءة يحتملها خط المصحف ، وثبتت في النقل ، مظنة لتلك القراءة ، قال مكي : " فالمصحف كُتِبَ على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً ... إذ لا يخلو أن يكون ما أُخْتُلِفَ فيه من لفظ الحروف التي [ لا ] تخالف الخط : إما هي مما أراد عثمان ، أو مما لم يرده إذ كَتَبَ المصحف ، فلا بد أن يكون إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً ، لكنا لا نعلم ذلك بعينه ، فجاز لنا أن نقرأ بما صحّت روايته مما يحتمله ذلك الخط , لنتحرى مراد عثمان - رضي الله عنه - ومن تبعه من الصحابة وغيرهم( ).
ومعلوم " أنّ مَن قرأ بوجهٍ من هذه الأوجه ، وقراءة من القراءات ، ورواية من الروايات أنه لا يمكنه أن يُحَرّك الحرف ويُسَكّنُهُ في حالة واحدة ، أو يقدّمه ويؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ، أو يفتحه ويميله ، إلى ما أشبه هذا من اختلاف تلك الأوجه والقراءات والروايات في حالة واحدة"( ) ، ومن ثم فإن استيعاب وجوه القراءة الثابتة لا يتأتى إلا من خلال القراءات التي رواها أئمة القراءة ، ومقياس الصحة لها هو موافقتها لخط المصحف ، على نحو ما بينا .
وهذا الترابط بين القراءة والرسم هو الذي جعل علماء السلف يوجبون المحافظة على رسم المصاحف بالرسوم الثابتة في المصاحف العثمانية ، فهذه الرسوم تؤدي مهمتين :
الأولى : حفظ نص القرآن الكريم على ما خَطّهُ الصحابة – رضوان الله عليهم .
الثانية : استيعاب القراءات الصحيحة الموافقة للخط.
ولا شك في أن المهمة الأولى أعظم أهمية وأوسع مدى ، على جلالة قدر المهمة الثانية وأهميتها ، ويمكن أن نلمس ذلك بالنظر في ما جاء في سورة الفاتحة من قراءات صحيحة عن القراء العشرة( ):
1. قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف ( مالك ) والباقون ( ملك ) .
2. قرأ معظم القراء ( صراط والصراط ) بالصاد . وقرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين ، وقرأ حمزة بإشمام الصاد الزاي .
3. قرأ حمزة ويعقوب ( عليهم) بضم الهاء ، والباقون بكسرها .
4. قرأ ابن كثير وأبو جعفر ( عليهم) بضم ميم الجمع ووصلها بواو ، وقرأ الباقون بإسكان الميم .
فهذه أربع كلمات اختلف القراء في حرف واحد أو حركة واحدة فيها ، وذلك بإثبات حرف أو حذفه في ( مالك وملك ) و ( عليهمْ وعليهمو ) ، وإبدال حرف بحرف في ( الصراط والسراط ) ، وإبدال حركة بأخرى في ( عليهِمْ وعليهُم ) . وإذا وازنا بين ما اتفق القراء على قراءته من حروف سورة الفاتحة وحركاتها ، وما اختلفوا فيه وجدنا ضآلة ما اختلفوا فيه بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه ، فقد عَدَدْتُ حروف سورة الفاتحة المرسومة فكانت ( 139) حرفاً ، وعَدَدْتُ حركاتها وسكناتها فكانت ( 103) ، من غير احتساب حروف المد حروفاً ساكنة ، فيكون المجموع (242) حرفاً وحركة ، اخْتُلِفَ في أربعة منها ، وهي نسبة ضئيلة جداً لا تصل إلى 2% ، وإذا أضفنا قراءة أبي عمرو بن العلاء بإسكان ميم ( الرحيم ) وإدغامها بالميم بعدها لم تتغير النسبة كثيراً .
ولا أحسب أن هذه النتيجة ستتغيّرُ كثيراً إذا ما طبّقنا هذه الفكرة على المصحف كله وما رُوِيَ فيه من قراءات ، وهي تشير على مقدار دلالة الرسم على ثبات نص القرآن وتواتره منذ كتابته إلى زماننا ، ولا يعني ذلك التشكيك في تواتر القراءات ، فإنها صحت رواية ، واحتملها رسم المصحف تحقيقاً وتقديراً على نحو ما أشرنا .
(3) علامات الضبط : اختراعها وتطورها :
كُتِبَت المصاحف مجرَّدة من علامات الحركات ، ونِقاط الإعجام ، فلم يكن في الكتابة العربية في عصر تدوين القرآن علامات من أي نوع ، وليس هناك دليل على أن المصاحف جُرِّدت من الحركات ونِقاط الإعجام ليحتمل رسمها أكثر من قراءة ، فلم تكن تلك العلامات قد اخترعت أو استخدمت في الكتابة العربية في ذلك الوقت .
ولم تكن الحياة العلمية عند العرب قبل الإسلام تستدعي استخداماً واسعاً للكتابة ، لكن الإسلام أحدث حركة علمية هائلة في الحياة العربية ، وانقلاباً حضارياً شاملاً ، فدخلت الكتابة العربية مرحلة الاستخدام الواسع للتعبير عن حاجات الأفراد والمجتمع والدولة ، وكان بدء تلك الحركة تدوين المصحف ، الكتاب الأول الذي عرفته المكتبة العربية ، ثم تنوعت صور الاستخدام بعد ذلك لتشمل العلوم العربية والإسلامية كافة.
ولم تكن الكتابة العربية – وهي خالية من العلامات - قادرة على الاستجابة لتلك الحاجات التي استجدت في الحياة العلمية والثقافية للمجتمع الإسلامي ، ومن ثم سارع علماء القرآن واللغة العربية إلى اختراع نظم جديدة للعلامات التي تمثل الحركات ، أو تُمَيِّزُ بين الحروف المتشابهة في الشكل ، حتى أخذت الكتابة العربية شكلها المكتمل في القرنين الأول والثاني .
وتكاد آراء الباحثين تتفق على أن أول مَن ابتكر طريقة لتمثيل الحركات في الكتابة العربية هو أبو الأسود الدؤلي ( ظالم بن عمرو ت 69هـ) ، الذي اخترع نظام النِّقاط الحُمْر للدلالة على الحركات ، فالفتحة نقطة فوق الحرف ، والكسرة نقطة تحت الحرف ، والضمة نقطة أمام الحرف ، وإذا كان مع الحركة تنوين جعل النقطة نقطتين ، وأول ما استخدم ذلك في ضبط كلمات المصحف ، إذ تربط الروايات القديمة ذلك العمل بظهور اللحن ووقوع الخطأ في تلاوة القرآن ، فابتكر أبو الأسود الدؤلي هذه الطريقة لضبط الكتابة ، وتيسير القراءة( ).
وأخذ تلامذة أبي الأسود الدؤلي في البصرة طريقته في نقط المصحف ، واستخدموها على نطاق واسع ، لكنهم واجهوا مشكلة تشابه صور عدد من الحروف في الكتابة العربية ، وتصدى نصر بن عاصم الليثي ( ت 90هـ) تلميذ أبي الأسود في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي لحل هذه المشكلة ، وذلك باستخدام النِّقاط لتمييز الحروف المتشابهة في الرسم ، بنفس لون الكتابة( ).
وتحقق للكتابة العربية قبل انتهاء القرن الهجري الأول نظام كامل من العلامات الدالة على الحركات ، والنِّقاط المميزة للحروف المتشابهة ، لكن الكُتّاب وجدوا صعوبة في استخدام نظامين من النِّقاط بلونين من الحبر ، فتصدى الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 170هـ) لحل هذه الصعوبة ، وذلك بابتكار طريقة جديدة للحركات باستخدام الحروف الصغيرة المأخوذة من حروف المد ، وهي الضمة والفتحة والكسرة التي لا تزال مستخدمة إلى زماننا ، وأبقى نظام النِّقاط المميزة للحروف المتشابهة على ما كان عليه ، واخترع إلى جانب ذلك علامات للهمزة والتشديد والروم والإشمام.( )
وتجدر الإشارة إلى عدة أمور تتعلق بهذا الإنجاز اللغوي الهام ، منها :
1. كان أمامَ علماء العربية والقراءة ثلاث طرق لوضع علامات للحركات أو تمييز الحروف المتشابهة ، الأولى : وضع رموز جديدة ، والثانية تغيير شكل الحرف تبعاً للحركة التي تتبعه بإضافة زائدة تتصل به ، والثالثة : استخدام العلامات الخارجية لتمثيل الحركات أو تمييز الحروف المتشابهة . واختاروا الطريقة الثالثة لأنها تحقق الغرض وتحافظ على رسم الكلمات في المصحف .
2. حاول بعض الباحثين المحدثين نسبة وضع علامات الحركات ونقاط الإعجام إلى التأثر بالثقافات الأجنبية ، فجعلوا أبا الأسود الدؤلي يعرف السريانية ، والخليل بن أحمد يعرف اليونانية ، وما ذلك إلا أوهام لا تقوم على بينة ولا تستند إلى حجة ، ولكنها محاولة لسلب أي فضيلة لهذه الأمة ونسبتها إلى غيرهم ، وبدأت هذه القضية على شكل ظنون أطلقها بعض المستشرقين وتلامذتهم ، ثم تلقفها بعض الدارسين وبنى عليها وكأنها حقيقة ثابتة ، وليس هناك أدنى شك في أصالة ذلك العمل الذي تحقق على يدي عالمين عربيين عُرِفَا بالذكاء والفطنة والابتكار( ).
3. لقيت طريقة أبي الأسود في النَّقْط معارضة من علماء التابعين في بدء استعمالها ، ودعوا إلى تجريد المصحف وعدم خلط شيء به مما لم يكن فيه وقت نسخ المصاحف ، لكن الحاجة إلى ضبط القراءة وتيسير تعلمها جعلت علماء التابعين وتابعيهم يقولون : لا بأس بنقط المصاحف( ). ولم تستخدم طريقة الخليل في المصاحف إلا بعد عدة قرون ، فنجد الداني ( ت 444هـ) يقول : " وتَرْكُ استعمال شكل الشعر ، وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل ، في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها ، أولى وأحق اقتداء بمن ابتدأ النقط من التابعين ، واتباعاً للأئمة السالفين( ). لكن تلك النزعة لم تدم طويلاً ، فنجد ابن وثيق ( ت 654هـ) لا يتحدث إلا عن علامات الخليل( ). وانقرضت طريقة أبي الأسود من الاستخدام ، ولم يبق لها أثر إلا في المصاحف التي ضُبِطت بها ، والكتب التي تتحدث عنها وتبيّن كيفية استخدامها .
4. استمر اهتمام العلماء بموضوع العلامات الكتابية بعد الخليل بن أحمد ، وتنوعت مذاهبهم فيه ، وجمعوا مباحثه في كتب مستقلة( ) ، وغلب استخدام مصطلح ( علم النَّقْط والشكل ) على المؤلفات الأولى ، لكن المتأخرين أطلقوا عليه مصطلح ( علم الضبط ) ، وكان أشهر كتاب في هذا العلم هو كتاب الداني عنوانه : ( المحكم في علم نقط المصاحف ) ، لكن تلميذه أبا داود سليمان بن نجاح ( ت 496هـ) سَمّى مؤلَّفه ( كتاب أُصول الضبط ) ، وقال التنسي ( ت 899هـ) في كتابه ( الطراز في شرح ضبط الخرّاز ) : اعلم أنَّ خطوط المصاحف يُتكلَّمٌ عليها بوجهين :
أحدهما : ما يرجع إلى بيان الزائد والناقص ، والمبدل وغيره ، والموصول وغيره ، وهو المسمى بـ ( علم الرسم ) .
والوجه الثاني : ما يرجع إلى علامة الحركة والسكون ، والشد والمد ، والساقط والزائد ، وهو المسمى بـ (علم الضبط). ( )
وكاد التأليف في موضوع ( الضبط ) يتوقف في العصور المتأخرة وفي زماننا ، وذلك سبب استقرار النظام الكتابي العربي ، بعد أن استكمل تمثيل أصوات العربية كلها ، وحالات النطق المختلفة الأخرى ، لكني أحسب أن الجهل بتاريخ هذا العلم قد يؤدي إلى الوقوع في بعض الأوهام .
5. العلامات الكتابية من الأمور الحادثة بعد الإسلام ، وعارضها بعض علماء التابعين وتابعيهم ، لكن الحاجة العملية لتلك العلامات في قراءة القرآن وضبط اللغة قد جعلت من جاء بعدهم يوجبون ضبط المصاحف ضبطاً كاملاً ، وكذلك كتب اللغة والأدب( ).
وتعددت مذاهب العلماء في اختيار العلامات أو اختراع علامات جديدة ، فكان الدؤلي قد اخترع أربع علامات ، للحركات الثلاث والتنوين ، واستخدم الخليل الحروف الصغيرة بدلاً من النقاط لتلك العلامات ، وأضاف إليها أربع علامات أخرى هي : علامة الهمزة والتشديد والروم والإشمام ، على نحو ما أشرنا من قبل .
ولم يقف علماء الضبط عند ما اخترعه الدؤلي والخليل من العلامات ، فاستحدثوا علامة للسكون ، وعلامة للمد ، وهمزة الوصل( ). وكان لبعض تلك العلامات أكثر من صورة ، مثل الشدة والسكون ، ولا يزال بعض المصاحف يستخدم للسكون علامة الصفر، وهي الدائرة الصغيرة المفرغة ، وبعضها يستخدم رأس حرف الخاء دلالة على كلمة (خفيف) .
ولا يتسع المقام لعرض مذاهب علماء الضبط في استخدام تلك العلامات( )، لكن يمكن ملاحظة وجود قدر من الحرية في اختراع علامات جديدة وتغيير علامات قديمة ، وهو ما لا يمكن حدوثه في رسم المصحف ، فالرسوم ثابتة ، والعلامات فيها متسع للإضافة والتغيير ، ومن ثم يمكن القول إن اختراع علامة جديدة لتمثيل صورة نطقية في قراءة القرآن أمر ممكن ، ولكن ذلك يجب أن يكون في أضيق الحدود ، حتى لا يتعرض ضبط المصحف لتغيير كبير ، وألاّ يأخذ ذلك الطابع الشخصي أو الفردي ، وإنما يجب أن يكون ذلك في إطار المؤسسات العلمية والمجامع واللجان المتخصصة .
وينبغي التفريق في هذا الصدد بين القول بإمكانية إضافة علامة جديدة تدعو الحاجة إليها ، والدعوة إلى تغيير نظام العلامات الكتابية ، أو تغيير النظام الكتابي العربي كله ، فهذه الدعوة نشطت في النصف الأول من القرن الميلادي الماضي على يد بعض المستشرقين ، وأخذها عنهم بعض تلامذتهم المخلصين ، وهي جاءت في إطار حملة منظمة لاقتلاع العربية من جذورها ، لكن العربية لغة وكتابة خرجت من تلك الحملة أكثر تمكيناً بعد أن زالت الشبهات التي أطلقها أصحاب تلك الدعوة ، وظهر زيف الحجج التي استندوا إليها( ).

(4) المصاحف القديمة وأهمية دراستها :
إنّ جميع المصاحف المخطوطة والمطبوعة في العالم ، القديمة والحديثة ، متفقة في الرسم والترتيب ، ولا يقِّدم أيٌّ منها أي إضافة إلى نص القرآن الكريم ، لكن لكل نسخة من المصحف قيمة معنوية ، وأهمية تاريخية وعلمية ، لاسيما المخطوطة منها ، ومن ثم تستحق أيُّ نسخة مخطوطة منها دراسة خاصة بها ، وتنبع أهمية تلك الدراسة من عدة نواح منها :

1. الرسم والضبط ، فدراسة رسم المصاحف القديمة المخطوطة يضع بين يدي الدارس أمثلة للظواهر التي يذكرها المؤلفون في رسم المصحف ، من المختلف فيه والمتفق عليه ، وقد يعثر على ظواهر لم تهتم بها كتب رسم المصحف . وإذا كان الخطاطون يحرصون على الالتزام برسم الكلمات كما رسمت في المصاحف القديمة فإنهم في علامات الضبط يتبعون مذاهب متعددة ، وقد يجتهدون في استعمال علامات جديدة ، ومن ثم فإن تتبع الضبط في المصاحف المخطوطة عبر العصور المتعاقبة يساعد في كتابة تاريخ العلامات في الكتابة العربية على نحو دقيق وشامل.

2. كانت المصاحف الأولى لا تتضمن سوى ألفاظ الوحي ، لكن الخطاطين والعلماء ، أضافوا إليها في العصور اللاحقة إضافات تتعلق بفواتح السور التي تتضمن اسم السورة وعدد آياتها ، وقد تتضمن إشارة إلى مكان نزولها ، وكذلك أرقام رؤوس الآي ، ومواضع الخموس والعشور وأرقام الأجزاء والأحزاب ، ومثل ذلك علامات الوقف . وتقدِّمُ المصاحف المخطوطة مادة قيّمة تكمِّلُ ما هو موجود في المصادر المتخصصة بهذه الموضوعات .

3. انتشار القراءات : كانت المصاحف الأولى مكتوبة بلغة قريش وعلى قراءة واحدة ، وخطها مجرد من العلامات ، فاحتملت لذلك أكثر من قراءة من القراءات التي كان الصحابة يقرؤونها ، وبعد اختراع علامات الحركات ونقاط الإعجام صار الناس يضبطون مصاحفهم على قراءة القارئ الذي يأخذون عنه القرآن ، واشتهرت القراءات السبع بعد عصر الاختيار ، والثلاثة المكملة لها ، وصارت المصاحف تضبط بإحدى تلك القراءات ، إذ لا يمكن الجمع بين أكثر من قراءة في المصحف الواحد بسهولة .
وهناك جدل بين بعض المهتمين بتاريخ القراءات حول مدى انتشار بعض القراءات في العصور السابقة ، وتقدِّم المصاحف المخطوطة وثائق لا تحتمل الشك حول انتشار كل قراءة ، ويمكن من خلال رصد القراءات التي ضبطت بها آلاف النسخ المخطوطة أن نرسم خارطة لانتشار القراءات القرآنية زماناً ومكاناً ، فكثيراً ما يكتب نُسَّاخ المصاحف زمان إكمالهم نسخ المصحف ، ومكانه .
4. وللمصاحف المخطوطة قيمة جمالية تتعلق بالخطوط المتقنة التي تكتب بها ، وبأنواع الزخارف التي تتصدر السور أو تُزَيِّنُ حواشي الصفحات ، وكذلك تظهر جمالية المصاحف في الأغلفة وما عليها من زخارف ، وكل هذه الجوانب تنتظر من يتابع دراستها من المتخصصين ، لإبراز عناصر الجمال فيها .
وعلى الرغم من تلك الأهمية التي ذكرتها لدراسة المصاحف المخطوطة فإن الباحث لا يكاد يجد ما يشير إلى تقدّم في مثل هذه الدراسات ، بقدر ما اطلعت عليه من مصادر وبلغني من معلومات ، وقد يكون هناك ما لم أطلع عليه ، لكن ذلك يشير إلى ندرة في مثل هذا النوع من المصادر ، وهناك صعوبات متعددة تعترض سبيل من يريد أن ينهض بشيء من هذه الدراسات ، لعل في مقدمتها :
1. وجود المصاحف المخطوطة في مكتبات كثيرة متباعدة ، في بلدان العالم الإسلامي ، وبعض دول أوربا وأمريكا ، مما يتعذر على الدارس الاطلاع على كثير منها ، ويمكن تجاوز هذه الصعوبة بنهوض دارسين للمصاحف في كل بلد من تلك البلدان على أن تصب نتائج تلك الدراسات في مرجع واحد ، وفق خطة موحدة ، أو القيام باستنساخ تلك المصاحف وجمعها في مكان واحد وتمكين الدارسين من الاطلاع عليها.

2. العدد الكبير من المصاحف المخطوطة التي تنتظر الدراسة ، وهي لا تقل عن بضعة آلاف ، إن لم تتجاوز إلى عشرات الآلاف ، ويكفي دليلاً على ذلك أن المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية أصدر ( فهرس المصاحف المخطوطة ) في أربعة أجزاء ،ودراسة هذا العدد الكبير من المصاحف يحتاج إلى عدد مناسب من الدارسين ذوي الصبر والمعرفة . ولعل قائلاً يقول : إن بعض المصاحف يمكن تجاوزه في الدراسة لعدم أهميتها من بعض الجوانب ، ولا شك في أن بعض المصاحف أكثر أهمية ودلالة من بعض ، لكن أيُّ مصحف من المصاحف المخطوطة يرتبط بكاتب كتبه ، وزمان كُتِبَ فيه ، وبلد أو مدينة ، وطريقة في الرسم ، أو الضبط ، أو الزخرفة أو التجليد ، وكل ذلك ذو دلالة في دراسة شاملة تؤرخ للمصحف المخطوط في عصوره المتعاقبة ، من كل الوجوه.

3. صعوبة الاطلاع على المصاحف المخطوطة والقراءة فيها ، بحجة المحافظة عليها من التلف ، ولا شك في أن المحافظة على تلك المصاحف واجب ديني وإنساني ، لكن يجب الموازنة بين متطلبات ذلك ، وحاجة الدارسين إلى الاطلاع عليها والقراءة فيها ، والاستنساخ منها . وكنت قد عانيت من هذه الصعوبة وقت إعداد رسالتي للماجستير ( رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية ) سنة 1975 في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، ففي الوقت الذي تمكنت فيه من القراءة في مصحف جامع عمرو بن العاص المحفوظ في دار الكتب المصرية برقم (139 مصاحف ) ، وهو مصحف أثري مكتوب بالخط الكوفي القديم على رق الغزال - فإني لم أتمكن من القراءة في المصحف المماثل المحفوظ في جامع الحسين بالقاهرة ، على الرغم من المراجعات الكثيرة ، والمخاطبة المتكررة من عمادة الكلية للجهة المسؤولة عن حفظه ، وقد استفاد البحث كثيراً من القراءة في مصحف جامع عمرو بن العاص ، وحُرِمَ مثل تلك الفائدة بسبب عدم التمكن من القراءة في مصحف جامع الحسين .

4. حاجة الدارس للمصاحف المخطوطة إلى خبرات متنوعة ، لغوية تتعلق بالعلامات الكتابية ، وفنية تتعلق بالخطوط وأنواعها ، وعلمية تتعلق بتحليل مواد الكتابة من ورق وحبر ، لتقدير تاريخ كتابة تلك المصاحف ، في حالة عدم تثبيت تاريخ النسخ فيها ، وهو ما يصعب تحصيله لشخص واحد .
ولا شك في أن تلك الصعوبات تُبَيِّنُ استحالة قيام باحث واحد ، أو عدد محدود من الباحثين ، بجهودهم الفردية ، بمهمة دراسة المصاحف المخطوطة وتقديم نتائج تلك الدراسة للمهتمين بموضوعها ، فالأمر يحتاج إلى عمل مؤسسي يتولى القيام بأعباء تلك العملية ، من تخطيط وتنفيذ ، ومن مال ومن متخصصين .
وكنت حين أكملت كتابة بحثي عن رسم المصحف تقدّمت في خاتمته بمقترحين اثنين( ):
الأول : إعادة دراسة الإملاء العربي الذي نكتب به اليوم في ضوء علاقته بالرسم المصحفي وقد تحقق لي ذلك ، والحمد لله ، في كتابي ( علم الكتابة العربية ) .

والآخر : الاهتمام بمخطوطات المصاحف والكتب القديمة والوثائق المخطوطة على اختلاف أشكالها وعصورها ، وتمكين الدارسين من الاطلاع عليها والقراءة فيها ، والاستنساخ منها .
ولكن بعد ثلاثين سنة من ذلك لم أُلاحظ بروز مثل تلك المؤسسة التي تحتضن الدارسين وتوفر لهم مستلزمات البحث ، على الرغم من التقدم الكبير الذي حصل في مجال الدراسات القرآنية ، وطباعة المصحف ، ونشر المؤلفات المتخصصة في علوم القرآن ، لكن ذلك كله لا يُعَوِّضُ عن الحاجة إلى دراسة المصاحف القديمة دراسة علمية تعنى بالجوانب الآتية :
1. الرسم ، والضبط .
2. فواتح السور ، وعلامات الأجزاء ، وأرقام الآيات .
3. نوع الخط .
4. الزخارف والتجليد .
وكنت قد اطلعت على أعمال علمية أنجزها بعض المستشرقين خدمت الدراسات القرآنية ، وهي تعطي مثالاً لما يمكن أن تكون عليه دراسات المصاحف المخطوطة ، وهي :
1. أصدرت جمعية الآثار القديمة الروسية طبعة مصورة من مصحف (طشقند) الأثري المشهور ، وكان عدد النسخ الصادرة منه خمسين نسخة ، تحتفظ دار الكتب المصرية بواحدة منها برقم (204 مصاحف ) ، وتم ذلك على ما يبدو في مطلع القرن الميلادي الماضي .
2. إصدار مجموعة ( الكتابات العربية القديمة ) التي جمعها ( مورتيز) سنة 1905 في القاهرة ، وهي تضم مئات اللوحات المصورة من مخطوطات المصاحف وغيرها ، من القرن الأول الهجري إلى آخر القرن العاشر .
3. إصدار طبعة مصورة لمصحف ابن البواب الذي تحتفظ به مكتبة جستر بتي في مدينة دبلن بآيرلنده ، سنة 1980 ، وهو المصحف الذي كتبه الخطاط علي بن هلال المشهور بابن البواب سنة 391هـ في مدينة دار السلام : بغداد.
ولا شك في أن هذه الأعمال محدودة جداً بالنسبة إلى ما يمكن القيام به في مجال دراسة المصاحف القديمة ، وعسى أن تولي المؤسسات العلمية هذا الجانب من تاريخ القرآن عناية واهتماماً يتناسب ومكانة القرآن الكريم في حياتنا وتاريخنا . وفي وسائل الاتصال والاستنساخ والطباعة الحديثة ما يمكن أن يسهل على الدارسين سبل القيام بذلك ، وأحسب أن من التقصير في حق القرآن الكريم والتفريط بجانبه أن يتولى عبء مثل هذه الأعمال باحثون من أمم أخرى ، ويظل باحثونا والدارسون منا عالة على مثل تلك الدراسات ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

مصادر البحث
1. أحمد بن أحمد شرشال : مختصر التبيين لهجاء التنزيل ، لأبي داود سليمان بن نجاح ، قسم الدراسة ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، المدينة المنورة 1421هـ .
2. ابن الأنباري ( أبو بكر محمد بن القاسم ) : إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل ، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان ، دمشق 1390هـ =1971م.
3. التنسي ( محمد بن عبد الله ) : الطراز في شرح ضبط الخراز ، تحقيق أحمد شرشال ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، المدينة المنورة 1420هـ =2000م .
4. ابن الجزري ( أبو الخير محمد بن محمد ) : النشر في القراءات العشر ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر .
5. الجعبري ( إبراهيم بن عمر ) : جميلة أرباب المراصد في شرح عقيلة أتراب القصائد ، تحقيق محمد خضير مضحي الزوبعي ، رسالة دكتوراه ، كلية الآداب – الجامعة المستنصرية ، بغداد 1425هـ = 2004م .
6. جواد علي ( دكتور ) : تاريخ العرب قبل الإسلام ، المجمع العلمي العراقي 1950-1951 م .
7. خليل يحيى نامي ( دكتور ) : أصل الخط العربي وتاريخ تطوره إلى ما قبل الإسلام ، القاهرة 1935م .
8. الداني ( أبو عمرو عثمان بن سعيد الأندلسي ) :
أ- الأحرف السبعة ( وهو باب من كتابه : جامع البيان في القراءات السبع المشهورة )تحقيق د. عبد المهيمن طحان ، مكتبة المنارة 1408هـ = 1988م .
ب-المحكم في نقط المصاحف ، تحقيق د. عزة حسن ، دمشق 1960م.
ج- المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ، تحقيق محمد أحمد دهمان ، دمشق 1940 م .
9. ابن أبي داود ( عبد الله بن سليمان ) : كتاب المصاحف ، تحقيق آثر جفري ، المطبعة الرحمانية بمصر 1936 .
10. ابن درستويه ( عبد الله بن جعفر ) : كتاب الكتَّاب ، تحقيق د. إبراهيم السامرائي ، ود. عبد الحسين الفتلي ، الكويت 1397هـ = 1977م.
11. رضي الدين الاستراباذي ( محمد بن الحسن ) : شرح الشافية ، تحقيق محمد الزفزاف وآخرين ، مطبعة حجازي ، القاهرة .
12. الزرقاني ( محمد عبد العظيم ) : مناهل العرفان في علوم القرآن ، ط3، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1943م.
13. الزركشي ( محمد بن عبد الله ) : البرهان في علوم القرآن ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1957 .
14. ابن السراج ( محمد بن السري ) : كتاب الخط ، تحقيق د. عبد الحسين محمد ، مجلة المورد مج 5 ع 3 ، بغداد 1396هـ = 1976م .
15. السيوطي ( عبد الرحمن بن أبي بكر ) : همع الهوامع ، صححه محمد بدر الدين النعساني ، مكتبة الخانجي بمصر 1327هـ .
16. أبو شامة المقدسي ( عبد الرحمن بن إسماعيل ) : المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز ، تحقيق طيار آلتي قولاج ، دار صادر بيروت 1395هـ = 1975م .
17. الشوكاني ( محمد بن علي ) : إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول ، تحقيق محمد سعيد البدري ، دار الفكر ، بيروت 1412هـ = 1992 م .
18. أبو عبيد ( القاسم بن سلام ) : فضائل القرآن ، تحقيق مروان العطية وآخرين ، دار ابن كثير ، دمشق 1420هـ = 1999م .
19. العسكري ( أبو أحمد الحسن بن عبد الله ) : شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ، ط1 ، تحقيق عبد العزيز أحمد ، مطبعة البابي الحلبي بمصر 1963م .
20. علي عبد الواحد وافي ( دكتور ) : علم اللغة ، ط7، دار نهضة مصر ، القاهرة 1972م.
21. غانم قدوري الحمد :
أ- رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية ، مؤسسة المطبوعات العربية ، بيروت 1402هـ = 1982م .
ب- علم الكتابة العربية ، دار عمار ، عمان 1425هـ = 2004م .
ج- مستقبل اللغة العربية في ضوء قوانين التطور اللغوي ، بحث مقدم إلى مؤتمر " اللغة العربية أمام تحديات العولمة " ، بيروت 15/4/2003م .
د. موازنة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة ، بحث ، مجلة المورد مج 15 ع 4 ، بغداد 1986م .
22. فندريس (لغوي فرنسي ) : اللغـة ، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة 1950م .
23. المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية : الفهرس الشامل للتراث الإسلامي المخطوط ( رسم المصحف ) ، عمان 1986 .
24. محمد طاهر الكردي : تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه ، جدة 1946م .
25. مكي بن أبي طالب القيسي : الإبانة عن معاني القراءات ، تحقيق عبد الفتاح شلبي ، مكتبة نهضة مصر 1960م .
26. المهدوي ( أحمد بن عمار ) : هجاء مصاحف الأمصار ، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان ، مجلة معهد المخطوطات العربية ، مج 19 ج1 ، القاهرة 1973 م .
27. ابن وثيق ( إبراهيم بن محمد ) : الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف ، تحقيق غانم قدوري الحمد ، مطبعة العاني ، بغداد 1408هـ = 1988م.


البحث الثالث
علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث
يحظى " علم التجويد " في زماننا بعناية كبيرة من الدارسين المتخصصين ومن غيرهم ممن يحرصون على ضبط قراءتهم وتحسين أدائهم ، وكَثُرَتِ المؤلفات فيه كثرة يصعب على المتتبع الإحاطة بها ، لتعدد أماكن صدورها ، فإذا تمكَّن من الاطلاع على مؤلفات بلد ما فاته معرفة تلك المؤلفات في بلدان أُخرى .
وتميَّزتِ السنوات الأخيرة بظهور وسائل حديثة للتعلم والتعليم ، تستخدم أجهزة التسجيل المسموعة والمرئية ، ومختبرات الصوت ، و محطات البث الفضائي ، بالإضافة إلى حلقات التعلم على يد الشيوخ في المساجد والمدارس والجمعيات والبيوت .
ويلفت نظر المتتبع لذلك النشاط الواسع في مجال علم التجويد ، من التأليف والتعليم والأداء ، ملاحظات منهجية وموضوعية تتعلق بالتأليف ، وملاحظات تتعلق بصور الأداء لبعض الأحكام الصوتية ، كَثُرَ النقاش حولها بين المشتغلين بهذا العلم .
وعلى الرغم من هذه المكانة التي يحتلها علم التجويد ، والمساحة الواسعة من النشاط التي يشغلها إلا أنني وجدت عدم الاعتناء بمؤلفات هذا العلم الأولى ، وقصوراً في مواكبة المؤلفات الحديثة في علم التجويد لِمَا استجد في دراسة علم الأصوات اللغوية ، وأحسب أن كثيراً من الجدل حول بعض القضايا يمكن أن يزول من خلال العودة إلى المؤلفات الأولى لهذا العلم ، ومن خلال دراسة علم الأصوات اللغوية المعاصر .
وكانت لي تجربة في دراسة علم التجويد ، بدأت منذ أكثر من ربع قرن من الزمان ، وشملت البحث في تاريخ علم التجويد ، وتحقيق عدد من كتبه الأولى ، ودراسة موضوعاته دراسة صوتية ، وأحسب أنني انتهيت إلى نتائج مفيدة في هذه الجوانب ، والحمد لله والفضل له .
ولست أهدف في هذا البحث إلى عرض قواعد علم التجويد ودراستها ، ولكني أردت الوقوف عند عدد من المسائل المتعلقة بهذا العلم ، وهي موضع نقاش بين الدارسين ، عسى أن يُسهم ذلك في كشف الحقائق ، ويُوحِّدَ الفهم لها ، أو يقرِّب وجهات النظر حولها . وسوف أعرض تلك المسائل من خلال المباحث الثلاثة الآتية:
1. نشأة علم التجويد ، وأشهر المؤلفات فيه .
2. علم التجويد في المؤلفات الحديثة .
3. العلاقة بين علم التجويد وعلم الأصوات اللغوية .

البحث الأول
نشأة علم التجويد وأشهر المؤلفات فيه

(1) علم التجويد وحكم تعلمه :
تأخر ظهور علم التجويد بصورته المستقلة قرنين من الزمان عن وقت ظهور بواكير العلوم الإسلامية ، فأول مؤلَّف ظهر فيه كان في مطلع القرن الرابع الهجري ، ولا يعني ذلك عدم وجود قضاياه ، أو عدم الاعتناء بموضوعه ، فعلم التجويد يُعْنَى بدراسة النظام الصوتي للغة العربية ، وهو نظام راسخ في اللغة شأنه شأن علم الصرف وعلم النحو ، لكن موضوعاته كانت جزءاً من كتب اللغة ، خاصة كتب النحو والصرف ، على نحو ما نجد في كتاب سيبويه (ت 180هـ) في الباب الأخير الذي خصصه لموضوع الإدغام ، ودَرَسَ فيه النظام الصوتي للغة العربية ، كما أن صور النطق ووجوه الأداء كانت موضع عناية علماء قراءة القرآن ، منذ أن تلقاه الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم .
وعلم التجويد له اتصال بحقلين من حقول المعرفة العربية الإسلامية : الأول علوم اللغة ، والثاني علوم القرآن ، وسبب ذلك أن قواعده في معظمها ذات صفة لغوية ، ومجال تطبيقاته الآيات القرآنية ، وقد تمكن علماء القراءة في القرن الرابع الهجري من إبرازه علماً مستقلاً ، له عنوان متميز ، وله كتبه الخاصة به .
وعلى الرغم من أن علم التجويد يشارك علم القراءات في كون موضوعه ألفاظ القرآن ، إلا أن علم التجويد يُعْنَى بحقائق النطق ، ويبحث في طبيعة الأصوات وخصائصها ، بينما يُعْنَى علم القراءات باختلاف وجوه النطق المروية عن القراء .
وكانت هذه الحقيقة واضحة عند علماء القراءة والتجويد ، فهذا مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437هـ) مؤلف كتاب ( الرعاية لتجويد القراءة ) يقول فيه : " وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب ما تُدْغَمُ فيه الذال وغيرها من الحروف ، مما اختلف القراء فيه ، فأغنى عن ذكر ذلك في هذا الكتاب ، فتلك الكتب كتبٌ تُحْفَظُ منها الرواية المختلف فيها ، وهذا الكتاب يُحْكَمُ فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها ، فتلك كتبُ رواية ، وهذا كتابُ دراية" ( ).
واعتنى محمد المرعشي الملقب ساجقلي زاده ( ت 1150هـ) بإظهار هذه الحقيقة في كتبه ، فقال في كتابه ( جهد المقل) : " إن قلت : ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات ؟ قلت : علم القراءات علم يُعْرَفُ فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها ، فإذا ذُكِرَ شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم ، إذ لا يتعلق الغرض به ، وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف ، فإذا ذُكِرَ فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم ، كذا حُقِّقَ في الرعاية" ( ).
وتحدث المرعشي أيضاً عن هذا الموضوع في كتابه ( ترتيب العلوم) ، فقال : " اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد ، لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها ، مثلاً يُعْرَفُ في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا ، وحقيقة الترقيق كذا ، وفي علم القراءة يُعْرَفُ : فخَّمها فلان ، ورقَّقها فلان ، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال : علم القراءة يتضمن مباحث صفات الحروف ، كالإدغام والإظهار ، والمد والقصر ، والتفخيم والترقيق ، وهي مباحث علم التجويد " ( ).
ووَصْفُ مكيٍّ لكتب القراءات بأنها كتب رواية ، وكتب التجويد بأنها كتب دراية ، لا يعني انفصال الدراية عن القراءات أو الرواية عن التجويد ، ومن ثم يجب أن يُحمل على إرادته غلبة جانب الرواية والنقل على علم القراءات ، وجانب الدراية والاستنباط على علم التجويد ، يُبيّنُ ذلك قول مكي نفسه في الرعاية : " فإذا اجتمع للمقرئ النقلُ والفطنةُ والدرايةُ وجبت له الإمامة،وصحَّت عليه القراءة ، إن كانت له مع ذلك ديانة" ( )
ولا يعني ذلك أيضاً حرية القارئ في الاجتهاد في أحكام التجويد ، فالدراية معناها الفهم والتعقل للمَرْوِيِّ ، وليس الخروج عليه ، فالقراءات تؤخذ رواية أي عن طريق الحفظ ، وقواعد التجويد تعتمد على الدراية ، أي على التَّفَهُّمِ للأحكام ، وتفسير العلل التي أدَّت إليها.( )
وينبغي التفريق بين الأحكام الصوتية ، وبين البحث في عللها ، والحديث عن مخارج الحروف وصفاتها ، فالأحكام الصوتية مرتبطة بالرواية التي يجب الحفاظ عليها والتمسك بها ، أما البحث في العلل وتحديد المخارج والصفات فإنه يمكن أن يكون موضع خلاف بين العلماء ، تبعاً لاختلافهم في الفهم وقوة النظر . وبناء على ذلك قال العلماء : إن معرفة علم التجويد فرض كفاية والعمل به فرض عين. ( ) ، لأن درس الأحكام والتأليف فيها من شأن العلماء ، أما الالتزام بالقراءة الصحيحة وأحكامها فإنه أمر يتعين على كل من قرأ القرآن ، وليس هو موضع خلاف .
وأشار ابن الجزري إلى حكم تعلم التجويد في ( المقدمة ) بقوله ( ):
والأخذُ بالتجويد حَتْمٌ لازِمٌ مَن لم يجوِّدِ القرآنَ آثمُ
لأنه به الإله أَنْـزَلاَ وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضاً حليةُ التلاوة وزينةُ الأداءِ والقـراءة
واستثنى ابن الجزري من هذا الحكم مَن لا يطاوعه لسانه ، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب ( ). ونقل قول نصر بن علي الشيرازي ( ت 560هـ) : في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ، في فصل التجويد منه ، بعد ذِكْرِه الترتيل والحدر ولزوم التجويد فيهما ، قال ( ): " فإنّ حُسْنَ الأداء فرضٌ في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلوَ القرآن حق تلاوته ، صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا ، على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن :
فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات ، فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب .
وذهب آخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئاً من القرآن كيف ما كان ، لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن إليه سبيلاً ، إلا عند الضرورة ، قال الله تعالى : ( قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَجٍ ) [ الزمر 28 ] ( ) ، وقال ابن الجزري مُعَقِّبًاً : " وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب ، والمذهب الثاني هو الصحيح ، بل الصواب على ما قدمنا ، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده ، وصوَّب ما صوَّبناه ، والله أعلم " .( )
وأحسب أن موضوع الالتزام بقواعد التجويد لا ينبغي أن يكون موضع نظر أو نقاش ، فكما أن القراءة سُنَّـةٌ يأخذها الآخِر عن الأول ، فكذلك التجويد ، لأن أحكام التجويد مُضَمَّنَةٌ في القراءات المروية ، ولا أظن أن أحداً يقول بإمكانية تغيير حركات الإعراب ، فكذلك أحكام التجويد من إدغام وإخفاء ، أو ترقيق وتفخيم ، أو مد وقصر ، كل ما في الأمر أن هذه الأحكام تحتاج إلى نظر أدق ، قال السعيدي ( ت 410هـ) : " فاللحن الجليُّ يعرفه المقرئون والنحويون ، وغيرهم ممَّن شمَّ رائحة العلم ، واللحن الخفيُّ لا يعرفه إلا المقرئ المتقن الضابط ... " ( )، ويجب التفريق بين القول بوجوب الأخذ بأحكام التجويد ، والتنطع والمبالغة في أدائها ، مما يخرج إلى التكلف ، وإنما ينبني الكلام وتقوم الأحكام على النطق الجاري على استقامة الطبع ، لا على التكلف ( ).
وأود أن أُذكِّرَ الذين قد يستصعبون مراعاة قواعد التجويد في القراءة ، ويرغبون في التحرر منها ، بأن هذه القواعد قد أسهمت في تحقيق أمرين :
الأول : الحفاظ على قراءة القرآن التي قرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته ، بأصواتها وأحكامها ، من خلال التلقي الشفهي والتلقين ، وفي ذلك حفظ للقرآن الكريم ذاته .
والآخر : الحفاظ على اللغة العربية من التغير والتبدل ، وذلك من خلال تلقين الناشئة النطق الصحيح وهم يتعلمون قراءة القرآن ، فتعتاد ألسنتهم على النطق الفصيح .
وحاجة الأمة مستمرة إلى كلا هذين الأمرين ، مما يدعو إلى العناية بتعليم الناشئة علم التجويد وأحكام القراءة الصحيحة ، والعناية بالتراث العلمي الذي تركه علماء القراءة والتجويد ، وتيسير الاستفادة منه ، وهو ما تضطلع به اليوم المؤسسات العلمية والجمعيات الخيرية ، والأفراد ، في مسيرة مستمرة متواصلة يتسابق فيها المعلِّم والمتعلم ، يحدوهم قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلّمه "( ) ، وهذا الحديث كان يرويه أبو عبد الرحمن السلمي الذي جلس في مسجد الكوفة الجامع يعلّم القرآن أربعين سنة ، ويقول : هذا الذي أقعدني هذا المقعد. ( ).

(2) المؤلفات الأولى في علم التجويد :
لعل أقدم نص وردت فيه كلمة ( التجويد ) بالمعنى الاصطلاحي هو قول ابن مجاهد البغدادي ( ت 324هـ) : " اللحن في القرآن لحنان : جليٌّ وخفيٌّ ، فالجلي لحن الإعراب ، والخفي ترك إعطاء الحرف حَقَّهُ من تجويد لفظه".( ) وهذا القول قد أرسى لهذا العلم عنوانه ، وهو ( علم التجويد ) ، كما أنه حدد موضوعه ، وهو معالجة مظاهر اللحن الخفي .
وقال ابن الجزري : إن أبا مزاحم الخاقاني ( موسى بن عبيد الله ت 325هـ) البغدادي ، " هو أول من صنّف في التجويد في ما أعلم ، وقصيدته الرائية مشهورة ، وشرحها الحافظ أبو عمرو "( ) . وهي القصيدة التي قالها أبو مزاحم في حسن أداء القرآن ، وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتاً( ) ، ومطلعها :
أقول مقالاً مُعْجِباً لأُولي الحِجْرِ ولا فَخْرَ ، إنَّ الفَخْرَ يدعو إلى الكِبْرِ
وشرح أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) قصيدة أبي مزاحم ، ومن هذا الشرح نسخة ناقصة في مكتبة جستر بتي ( رقم 3653/10) ومنه نسخة في مكتبة ( رضا) في رامبور بالهند ( رقمها 279) ، وكان لهذه القصيدة أثر واضح في تنشيط حركة التأليف في علم التجويد ، نظماً ونثراً ، وإن كانت قصيدة الخاقاني ليس فيها إلا إشارات عامة إلى موضوعات علم التجويد ، ولم يرد فيها مصطلح ( التجويد ) ( ).
وأول مؤلف ورد فيه مصطلح ( التجويد ) هو كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي ( ت 410هـ) ( ) ، والسعيدي هو مؤلِّف كتاب ( اختلاف القراء الثمانية ) الذي شرحه نصر بن علي الشيرازي ( ت 565هـ) في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ( ).
وكنت قد عملتُ قائمة بالمؤلفات الخاصة بعلم التجويد ، تضم أكثر من مئة كتاب ، تمتد من بدء التأليف فيه على يد أبي مزاحم الخاقاني إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري ، حيث انتهت بحسن بن إسماعيل الدَّرْكزَلِّي الحبَّار الموصلي ( ت 1327هـ) ( ). وأصدر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ( الفهرس الشامل لمخطوطات التجويد ) في جزءين سنة 1986 ، وهو يضم أسماء مخطوطات علم التجويد وأسماء مؤلفيها ، وأماكن وجودها ، من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر الهجريين .
ولا يتسع المقام للحديث عن تلك المؤلفات ، وسأكتفي بالإشارة إلى عدد من الملاحظات التي أرجو أن تُشَوِّقَ القارئ إلى متابعة البحث عنها والاطلاع عليها :

1. كُتِبَت أهم مؤلفات علم التجويد وأشهرها في القرن الخامس الهجري ، وظهرت تلك المؤلفات في وقت متزامن في بلاد الأندلس وفي بغداد وبلدان المشرق الإسلامي ، وأشهر المؤلفات الأندلسية :
- الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة – لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ) ( ).
- التحديد في الإتقان والتجويد – لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ). ( )
- الموضح في التجويد - لعبد الوهاب القرطبي ( ت 461هـ). ( )

ومن مؤلفات المشارقة بعد كتاب ( التنبيه) للسعيدي :
- كتاب التجويد ، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن بندار العجلي الرازي ( ت 454هـ).( )
- كتاب التجريد في التجويد ، لأبي علي الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي (ت 471هـ).( )
ومن اللافت للنظر أن أكثر كتب علم التجويد الأندلسية بقيت متداولة حتى وصلت إلى زماننا ، وكانت مدار البحث والدرس في القديم والحديث ، بينما لم يبق من كتب المشارقة شيء يُذْكَرُ ، فكتاب أبي الفضل الرازي كان معروفاً على ما يبدو حتى عصر ابن الجزري ، وقد نقل منه الأندرابي ( ت 500هـ) في كتابه ( الإيضاح في القراءات ) ( ) ، ولا نعلم شيئاً عن كتاب ابن البناء ( التجريد في التجويد ) لولا أنه ذكره في رسالته القيمة ( بيان العيوب التي يجب أن يتجنبها القراء ). ( )
2. تتميز مؤلفات القرن الخامس التي اطلعنا عليها بالجدة والابتكار ، فقد تحقق على يد مكي والداني وضع قواعد هذا العلم بشكلها المستقل عن كتب اللغة وكتب القراءات ، واستطاع عبد الوهاب القرطبي في كتابه ( الموضح) أن يجمع بين (الرعاية والتحديد) في صياغة جزلة وتبويب محكم .
3. تشترك الكتب الثلاثة ( الرعاية ، والتحديد ، والموضح ) بمعالجة الموضوعات الأساسية لعلم الأصوات : دراسة المخارج والصفات ، والأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب ، مطبقة على الآيات القرآنية ، مع احتفاظ كل واحد من الثلاثة بشخصية علمية متميزة لا يتسع المجال للحديث عنها .
وإذا ك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الجزء الثالث من اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ :: القراءات وأحكام التجويد :: المنتدى الاول-
انتقل الى: