لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ
أخي الزائر الكريم ...................................
نرحب بك في منتدى تجويد القرآن الكريم فأهلاً بك في منتداكم( لمسات البيان لتجويد القرءان) ان هذا المنتدى منكم واليكم ......
شارك معنا بما تجود به من مقال ، او سيرة ، اوتحقيق مما يخدم كتاب الله....
أخي الزائر الكريم انك لم تسجل بعد ، قم بالتسجيل أولاً .............. وان كنت مسجلا قم بالدخول مع الرحبً والسعة .. لطفاً..........
نَوَّ ر المنتدى بوجودكم فأهلا بكم .............

لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ

أحكام تجويد...قراءات....علوم قرءان.....لغة عربية....تفاسير ....بلاغة.....تراجم وسير .. مقالات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تتمة اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
انيس القراء

avatar

عدد المساهمات : 19
نقاط : 47
تاريخ التسجيل : 15/12/2011

مُساهمةموضوع: تتمة اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد   الإثنين 19 ديسمبر 2011, 23:20

(2) صفات الحروف :
تتحدد ملامح الصوت اللغوي من خلال الموضع الذي يحدث فيه الحبس للنفس أو التضييق له ، وهو المخرج ، ومن خلال الكيفيات المصاحبة لتكوُّن الصوت في مخرجه ، وهي الصفات . وقد اعتنى علماء التجويد بمبحث الصفات على نحو ما فعلوا بمبحث المخارج ، لكن معالجة المحدثين لموضوع الصفات لا يخلو من ضعف في بعض الجوانب ، خاصة في تعريف الصوت المجهور والمهموس ، وتقسيم الحروف على هاتين الصفتين .
وكان سيبويه - رحمه الله تعالى - قد تحدَّث عن صفات الأصوات حديثاً دقيقاً ومفصلاً ، وصار ما كتبه في ذلك أساساً للدرس الصوتي العربي ، لكن عبارته في تعريف الصوت المجهور لا تخلو من غموض لم يتمكن العلماء من إزالته إلا في العصر الحديث ، بعد تشريح الحنجرة وتقدم دراسة علم الصوت ، وقد ظل المؤلفون في علم التجويد من المحدثين يرددون عبارة سيبويه بعد أن أدَّت كثرة تناقلها في الكتب وتقادم العهد بها إلى حصول تحريفات فاحشة فيها ، زادت من الغموض فيها حتى صارت أشبه ما تكون بالألغاز أو الأحاجي .
قال سيبويه في تعريف الصوت المجهور : " حرف أُشبع الاعتماد في موضعه ، ومَنَعَ النَّفَسَ أن يجري معه حتى ينقضيَ الاعتماد ويجريَ الصوت " ، والأصوات المجهورة عنده تسعة عشر هي : ء ا ع غ ق ج ي ض ل ن ر ط د ز ظ ذ ب م و .
وقال في تعريف الصوت المهموس : " فأما المهموس فحرف أُضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النَّفَسُ معه ... " والأصوات المهموسة عنده عشرة ، هي : هـ ح خ ك ش س ص ت ث ف ( ).
وتوقف عدد من الباحثين المحدثين أمام تعريف سيبويه للصوت المجهور طويلاً ، محاولين تفسيره بموجب الفهم المعاصر لظاهرة الجهر ، الناتجة عن اهتزاز الوتريين الصوتيين في الحنجرة ، وهم لا يخفون حيرتهم في فَهْمِ بعض جوانبه ، ولكنهم يقررون مع ذلك أن تحديد سيبويه للأصوات المجهورة والمهموسة يتطابق مع ما دلت عليه الدراسات المعاصرة ، ما عدا صوت الهمزة والقاف والطاء التي وصفها سيبويه بالجهر ، وهي عند علماء الأصوات المحدثين مهموسة( ).
وإذا دقَّق الباحث في كتب علم التجويد المعاصرة فإنه سيجد اضطراباً كبيراً في تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس ، وتحريفاً في عبارة سيبويه في تعريفهما ، زاد من غموض المعنى واضطرابه( ).
ولم يكن أحدث كتابين في علم التجويد بمنأى من ذلك الخلل في تعريف المجهور والمهموس ، فجاء في ( فن الترتيل) في تعريف المجهور بأنه : " انحباسُ جَرْيِ النَّفَس مع الحرف عند النطق به " ، والمهموس بأنه : " جريان النَّفَس مع الحرف عند النطق به ساكناً "( ). وجاء في ( المنير) أن الجهر هو " انحباس النَّفَس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج ، أو : هو قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى مَنَعَ جريان النَّفس معه " ، وأن الهمس : " جريان النَّفَس عند النطق بالحروف لضعف الاعتماد على المخرج "( ). لكن الجديد في (المنير) هو الإشارة في الهامش إلى تعريف المجهور والمهموس عند المحدثين ، ويبدو أن هذا التعريف لم يبلغ درجة اليقين لدى مؤلفي الكتاب فوضعوه في الهامش ، ولو فعلوا عكس ذلك لكان دليلاً على تَمَثُّلِ حقائق علم الأصوات لديهم في كتابة علم التجويد .
إن تعريفات المجهور والمهموس في كتب علم التجويد الحديثة تشترك في أنها نقلت تعريف سيبويه لكنها لم تلتزم بنص عبارته التي تعرضت لتغييرات زادت من غموض التعريف واضطرا به ، وأحسب أن المنهج العلمي يقتضي إعادة تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس على نحو ما أكَّده علم الأصوات اللغوية المعاصر ، وإعادة النظر في عدِّ كل من القاف والطاء والهمزة أصواتاً مجهورة ، فليس من الإخلاص للعلم والنصح لطلبته الاستمرار في تلقينهم ما قام الدليل على عدم صحته .
(3) الأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب :
إن ثمرة دراسة مخارج الأصوات وصفاتها هي فهم الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب ، والكشف عن القوانين الصوتية التي تتحكم فيها . وكان هذا الباب من أغنى أبواب علم التجويد في المؤلفات القديمة والحديثة ، ولكن لا يزال التفسير الصوتي لتلك الأحكام ضعيفاً ، وإن في حقائق علم الأصوات اللغوية المعاصر ودقائقه ما يمكن أن يوضح كثيراً منها ، ويجعل فهمه أيسر على الدارس .
ويمكن أن ندرس ظاهرة من الظواهر الصوتية في ضوء ما يُقدِّمه علم الأصوات اللغوية ، وهو غير بعيد عما كان عليه في كتب علم التجويد الأولى ، ولكن لا تزال كتب علم التجويد الحديثة لم تستوعب المادة الصوتية في الكتب القديمة ، وكذلك لم تستفد من المادة الصوتية التي يقدمها علم الأصوات الحديث ، وهذه الظاهرة تشغل باباً من أبواب علم التجويد ، وهو باب أحكام النون الساكنة والتنوين ، الذي لا يخلو منه كتاب من كتب علم التجويد ، وقد أُلِّفت رسائل مستقلة فيه .
ويمكن أن أقف عند قضيتين من قضايا هذا الباب : الأولى تطبيق الأحكام على خارطة المخارج ، والثانية : مناقشة تعريف ظاهرة الإخفاء . أما فكرة تطبيق الأحكام فتقوم على رسم جدول للمخارج ، وملاحظة المساحة التي يشغلها كل حكم من الأحكام ، ومحاولة تفسير اختصاص عدد من الأصوات بحكم ما . وإليك البيان :
جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام النون الساكنة والتنوين
رقم المخرج أصوات المخرج الحكم
1 ب م و إخفاء
2 ف إخفاء
3 ث ذ ظ إخفاء
4 س ص ز إخفاء
5 ت ط د ض إخفاء
6 ل ن ر إدغام
7 ي ج ش إخفاء
8 ك إخفاء
9 ق إخفاء
10 غ خ إظهار
11 ع ح إظهار
12 ء هـ إظهار

إن فكرة الجدول تقوم على نظرية سيبويه في مخارج أصوات العربية ، مع إعادة النظر بموقع مخرج الضاد ، ووضعه مع أخواته ( ت ط د ) حسب النطق المعاصر ، مع دمج اللام والراء والنون في مخرج واحد ، على مذهب الفراء ومن تابعه من القدماء والمحدثين ، وحذف مخرج النون المخفاة لأنها فرع من النون الأصلية .
والجدول يفسر لنا بوضوح أحكام النون الساكنة ، بناء على القرب والبعد في مخارج الأصوات من مخرج النون ، فأبعد الأصوات مخرجاً ، وهي أصوات الحلق ، لا تؤثر في النون ، فكان حكمها الإظهار ، وأدنى الأصوات مخرجاً من النون ، وهي اللام والراء أثَّرَت في النون وقلبتها وذلك لقربهما منها ، أو لاشتراكها معهما في المخرج ، بناء على القانون الصوتي القائل بأن الأصوات كلما تدانت مخارجها كان التأثر أقوى ، وكلما تباعدت ضعف التأثير بقدر بُعْدِها ، ولم تقرب بقية الأصوات من النون قرب اللام والراء فتدغم فيها ، ولم تبعد عنها بعد أصوات الحلق فتظهر معها ، فكان حكمها بين الإدغام والإظهار ، وهو الإخفاء . ولعلك تستغرب من وضع الباء والواو والياء مع أصوات الإخفاء ، لأنك اعتدت أن ترى الواو والياء مع حروف الإدغام ( بغنة) ، والياء يستقل بحكم منفرد وهو الإقلاب ، لكنني وضعتها مع حروف الإخفاء لأن الإدغام بغنة ، والإقلاب ، هما في الحقيقة إخفاء للنون عند هذه الأصوات الثلاثة( )، والقضية تحتمل المناقشة ، ولكن ليس هذا المكان المناسب لذلك .
ولعل من المفيد قبل أن أتحدث عن تعريف الإخفاء تذكير القارئ بأن جدول مخارج الأصوات يمكن أن يُفَسِّرَ أيضاً عدداً من الظواهر الصوتية الأخرى ، مثل ظاهرة إدغام لام التعريف في أربعة عشر صوتاً ، استناداً إلى قرب مخارجها من اللام ، وإظهارها مع بقية الأصوات التي بعدت مخارجها ، وذلك على النحو الآتي :
جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام لام التعريف
رقم المخرج أصوات المخرج الحكم
1 ب م و إظهار
2 ف إظهار
3 ث ذ ظ إدغام
4 س ص ز إدغام
5 ت ط د ض إدغام
6 ل ن ر إدغام
7 ي ش ج إظهار وإدغام
8 ك إظهار
9 ق إظهار
10 غ خ إظهار
11 ع ح إظهار
12 ء هـ إظهار

أما الإخفاء فإنه أحد أحكام النون الساكنة والتنوين ، ويكون عند خمسة عشر حرفاً ، وهي ما عدا حروف الإظهار الستة ( ء هـ ع ح غ خ ) وحروف الإدغام الستة المجموعة في ( يرملون) ، وعدا الباء التي تقلب عند النون الساكنة ميماً ، كما يذهب جمهور علماء العربية والتجويد إلى ذلك .
وكانت ظاهرة الإخفاء موضع عناية علماء العربية والتجويد المتقدمين ، فقال سيبويه : " وتكون النون مع سائر حروف الفم حرفاً خفياً ، مخرجه من الخياشيم ... "( ) . وقال أبو عمرو الداني : " وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يُؤْتَى بهما لا مُظْهَرَيْنِ ولا مُدْغَمَيْنِ ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويَبْطُلُ عمل اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما ، وذلك إذا لَقِيَا حروف اللسان غير اللام والراء ".( )
وقال عبد الوهاب القرطبي مبيناً حقيقة الإخفاء : " ومعنى خفائها ما قدمناه من اتصال النون بمخارج هذه الحروف ، واستتارها بها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم "( ).
واستقر تعريف الإخفاء في كتب علم التجويد المتأخرة والحديثة بالاستناد إلى تعريف الداني أكثر من استناده إلى تعريف عبد الوهاب القرطبي ، فقال الشيخ زكريا الأنصاري ( ت 926هـ) في تعريفه : " والإخفاء لغة الستر ، واصطلاحاً النطق بحرف بصفة بين الإظهار والإدغام ، عارِ عن التشديد ، مع بقاء الغنة في الحرف الأول "( ) .
واقتبس معظم كتب التجويد الحديثة هذا التعريف( ) ، كما جاء بهذه الصورة في ( فن الترتيل) ( ) ، و (المنير) ( ) ، ولا يخلو هذا التعريف من قصور في توضيح حقيقة الإخفاء ، ولا يشير إلى ما ذكره عبد الوهاب القرطبي من اتصال النون المخفاة بمخارج الحروف التي تخفى عندها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف .
ويمكن توضيح حقيقة الإخفاء من خلال النظر في طبيعة حركة أعضاء آلة النطق في إنتاج النون ، فالنون لها مُعْتَمَدٌ في الفم ، وهو بين طرف اللسان وأصول الثنايا ، ولها مَجْرىً للنَّفَس في الخيشوم ، والذي يحدث عند إخفاء النون هو زوال عمل طرف اللسان ، وانتقال مكان الاعتماد للنون إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النَّفَس من الأنف ، وهو صوت الغنة ، فيتحرك اللسان حركة واحدة للنون وللصوت الذي تخفى عنده ، وبعد أن تستوفي النون حظها من الغنة يتوقف جريان النَّفَس من الأنف ويتحول إلى الفم للنطق بالصوت الآتي بعدها . وهذا هو معنى قول سيبويه :" كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة "( ) . ويمكن إعادة صياغة تعريف الإخفاء - بناء على ذلك – بالقول : "هو انتقال معتمد اللسان في الفم إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النفس من الأنف في أثناء النطق بها ".
والمتأمل في أداء القراء المعاصرين يجد تبايناً في طريقة إخفاء النون وتعدداً في مذاهب القراء فيه ، وقد يكون من أسباب ذلك غموض تعريف إخفاء النون في كتب التجويد . وفي الدراسات الصوتية العربية المعاصرة ما يفيد في دراسة ظاهرة إخفاء النون ، وعلى المشتغلين بعلم التجويد تأليفاً وتعليماً أن يضموا ذلك إلى جهود علمـاء العربية وعلماء التجويد المتقدمين ، حتى تتضح حقيقة الإخفاء للدارس والمتعلم ، وتتحدد طريقة أدائه . وهذه القضية تعطي مثالاً لما يمكن أن يتحقق من إحاطة علماء التجويد المعاصرين بالدرس الصوتي الحديث( ).

المبحث الثالث
العلاقة بين علم التجويد وعلم الأصوات اللغوية

إن عنوان هذا المبحث يشير إلى تمايز بين العلمين ، وإلاَّ لو كانا علماً واحداً لَمَا اتخذ الموضوع هذا المنحى في النظر إليهما والبحث عن العلاقة بينهما ، ولكن النظر في موضوعات العلمين والقضايا التي تستأثر باهتمام المتخصصين بهما ، يُبَيِّنُ أن بينهما قدراً كبيراً من التشابه والاشتراك في بحث موضوعات واحدة ، ويبدو أن تطور الدرس الصوتي العربي في العصر الحديث قد أدَّى إلى هذه النتيجة التي تشير إلى أنهما علمان لكل علم منهما كتبه ، ومنهجه في البحث ، لكن هذا التطور التأريخي للبحث لا يمكن أن يلغي ما بين العلمين من وشائج تجعلنا ننظر إليهما على أنهما وجهان لعملة واحدة ، يكمل أحدهما الآخر ، ويستفيد أحدهما من نتائج البحث في الآخر . وهذا الأمر يقتضينا إلقاء نظرة على تاريخ الدراسات الصوتية العربية والموضوعات التي عالجتها .
يشير بعض المؤرخين لتاريخ الدراسة الصوتية اللغوية إلى أن الدراسة الصوتية العربية سبقت غيرها من الدراسات في تثبيت حقائق هذه الدراسة على أسس علمية( ). وكانت نشأة هذه الدراسة عربية خالصة ارتبطت بقراءة القرآن الكريم ، شأنها في ذلك شأن علوم اللغة العربية الأخرى . ويمكن أن نتتبع تاريخ تلك الدراسة من خلال ثلاث مراحل : مرحلة الدرس الصوتي عند علماء العربية ، ومرحلة ظهور علم التجويد ، ومرحلة الدرس الصوتي الحديث .

المرحلة الأولى : الدرس الصوتي عند علماء العربية :
كانت بواكير الدرس الصوتي العربي قد جاءت مرتبطة بالدراسات اللغوية العربية الأولى ، وكان ما كتبه سيبويه ( ت 180هـ) في الكتاب عن أصوات العربية في ( باب الإدغام) قد أرسى أسس هذه الدراسة ، وأعطاها موضوعاتها ، وثـبَّت مصطلحاتها( ). والتزم علماء العربية الأوائل مثل المبرد وابن السراج ببحث أصوات العربية على نحو ما فعل سيبويه ، واستطاع ابن جني أن يجمع الموضوعات الصوتية في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) ، الذي ألمح فيه إلى " علم الأصوات والحروف "( ).ولا يقلل من شأن هذا الكتاب في مجال الدرس الصوتي العربي المباحث الصرفية واللغوية التي جاءت مختلطة بالمباحث الصوتية.
وكانت دراسة الأصوات عند علماء العربية مرتبطة ببحث عدد من المسائل الصرفية التي تختلط بالدراسة الصوتية مثل : الإدغام والإبدال والإمالة( ). ولم تَخْطُ هذه الدراسة عندهم خطوة أُخرى تكمل ما بدأه ابن جني ليكون علم الأصوات مستقلاً عن النحو والصرف ، وقد ضعفت الدراسة الصوتية لدى علماء العربية المتأخرين وكأن علماء التجويد حملوا عنهم عبء هذا الموضوع .

المرحلة الثانية : ظهور علم التجويد
كان ظهور علم التجويد حدثاً مهماً في تاريخ الدرس الصوتي العربي ، فقد استطاع علماء القراءة جمع المباحث الصوتية وصياغتها في إطار جديد لتشكل علم أصوات العربية ، وكانت موضوعات علم الأصوات حاضرة في ما كتبه علماء التجويد في كتبهم ، وقد ألمح مكي بن أبي طالب ( ت 437هـ) في كتاب ( الرعاية) وهو من أقدم كتب هذا العلم ، إلى تسميته بعلم مخارج الحروف وصفاتها وقوتها وضعفها وتقاربها وتباعدها وإدغام بعضها في بعض( ). لكن مصطلح ( علم التجويد ) هو الذي استقر عنواناً لهذا العلم .
وسبق الكلام في المبحث الأول من هذا البحث على نشأة علم التجويد وأشهر مؤلفاته ، بما يغني عن الإشارة إلى ذلك هنا مرة أخرى ، ولكني أتوقف عند قضية واحدة تتعلق بهدف الدراسة الصوتية عند علماء التجويد ، فإذا كنا قد رأينا أن هدف الدراسة الصوتية عند علماء العربية هي بحث مسائل صرفية ، فإن هدفها عند علماء التجويد صوتية محضة ، وقد استندت دراستهم للأصوات إلى تقسيم اللحن إلى جَلِيِّ ، وهو الخطأ في الحركات ، وخَفَيٍّ وهو الخلل في توفية الحروف حقها من الصفات الصوتية حتى يكون النطق عربياً صحيحاً خالياً من شوائب الانحراف .
وتستطيع أن تدرك ذلك من قول أبي مزاحم الخاقاني في قصيدته في حسن أداء القرآن ، التي تُعَدُّ أول مؤلف في علم التجويد( )
فأَوَّلُ علمِ الذِّكْرِ إتقانُ حِفْظِهِ ومعرفةٌ باللَّحْنِ مِن فِيك إِذ يجري
فكن عارفاً باللحن كي ما تزيلَهُ فما للذي لا يَعْرِفُ اللَّحْنِ مِن عُذْرِ
وكان ابن مجاهد البغدادي ، وهو معاصر لأبي مزاحم ، قد قسَّم اللحن إلى جلي وخفي ، وبنى علي بن جعفر السعيدي كتابه في التجويد على هذه الفكرة ، فَسَمَّاه (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) ، على نحو ما أشرنا إلى ذلك من قبل .
وكانت فكرة اللحن الخفي تقف وراء الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، فقد درسوا أصوات اللغة معتمدين على ما كتبه علماء العربية ، لكنهم كانوا يدققون في صور النطق ، فرصدوا الانحرافات الصوتية ، مما سَمَّوْهُ اللحن الخفي ، وحذروا من مواقعته ، وبينوا سبل الاحتراز منه ، وقد تحققت لعلماء التجويد بذلك فرصة لدراسة أصوات العربية دراسة شاملة ، شملت : المخارج والصفات ، والأحكام ، واللحن ، وعيوب النطق.

المرحلة الثالثة : الدرس الصوتي العربي الحديث
اطلع المتخصصون بالدرس اللغوي العربي على عدد من كتابات المستشرقين في قواعد اللغة العربية ، التي ظهرت في مصر في النصف الأول من القرن الميلادي الماضي ، منها محاضرات المستشرق الألماني برجستراسر عن ( التطور النحوي للغة العربية ) التي ألقاها سنة 1929 في الجامعة المصرية ، والقسم الأول منها في دراسة أصوات العربية ، وكذلك محاضرة المستشرق الألماني أرتور شادِهْ عن ( علم الأصوات عند سيبويه وعندنا ) ، والتي نُشِرَتْ في صحيفة الجامعة المصرية سنة 1931 .
وتضمنت هذه المحاضرات عرضاً للفكر الصوتي الحديث ، ورصداً لعدد من المشكلات الصوتية التي يثيرها هذا الفكر ، ولم ينعكس ذلك على دراسة علم التجويد ، فظلت تعرض مسائله وقضاياه بالطريقة الموروثة ذاتها في الرسائل التي أُلفت فيه في هذه الحقبة .
وكانت الخطوة الثانية التي أسست للدرس الصوتي العربي الحديث قد تمت على يد عدد من الباحثين الذين درسوا هذا العلم في الجامعات الغربية ، وكان في مقدمتهم الدكتور إبراهيم أنيس الذي أصدر كتابه ( الأصوات اللغوية ) سنة 1947 ، والدكتور تمام حسان الذي أصدر كتابه ( مناهج البحث في اللغة ) سنة 1955 ، والدكتور محمود السعران الذي أصدر كتابه ( علم اللغة : مقدمة للقارئ العربي ) سنة 1962 . وفي أثناء ذلك تمت ترجمة كتاب ( اللغة) للغوي الفرنسي فندريس سنة 1950 .
ثم تتابعت المؤلفات في علم الأصوات على يد الجيل الثاني من علماء اللغة المحدثين في مصر ، مثل الدكتور عبد الرحمن أيوب والدكتور كمال محمد بشر ، والدكتور أحمد مختار عمر ، والدكتور عبد الصبور شاهين ، ثم ظهرت مؤلفات أُخرى في مصر وغيرها من بلدان العالم العربي ، في قائمة طويلة لا يتسع المقام لذكرها( ).
ومن غير اليسير الحديث عن ملامح التراث الصوتي العربي الحديث وخصائصه في مثل هذه العجالة ، فقد كثرت مؤلفاته ، وتعددت اتجاهاته بتعدد مناهجه ومدارسه ، ولكن بالإمكان أن أشير إلى بعض الملاحظات حول ذلك التراث مما له علاقة بما نحن بصدده من الحديث عن علاقة علم الأصوات بعلم التجويد ، منها :
(1) كثير من كتب علم أصوات العربية الحديثة ينحو منحى الترجمة من كتب علم الأصوات الغربية ، في الموضوعات ، واستخدام المصطلحات .
(2) انقطاع الصلة بين تلك الكتب ومصادر التراث الصوتي العربي القديمة ، في أغلب الأحيان ، وإذا كنا نجد إشارات إلى الخليل وسيبويه وابن جني ، فإن علماء التجويد الكبار مثل مكي والداني وعبد الوهاب القرطبي لا ذكر لهم في تلك الكتب ، مما حرم الدرس الصوتي العربي الحديث من المادة العلمية الجيدة في كتب هؤلاء العلماء وغيرهم .
(3) عدم عناية مؤلفي كتب الأصوات ببحث الظواهر الصوتية في علم التجويد في ضوء ما أحرزه علم الأصوات من تقّدم في المناهج والوسائل ، ولا شك في أن مثل هذه الدراسة تعزز ما توصل إليه علماء التجويد بملاحظاتهم الذاتية وتوضح ما يحتاج إلى توضيح .
ويمكن أن نلاحظ من خلال ذلك ضعف الوشائج بين علم التجويد وعلم الأصوات ، وجفوة بين المشتغلين بهذين العلمين ، على الرغم من أن جذورهما في التراث الصوتي العربي واحدة ، وعلى الرغم من أن موضوعات العلمين واحدة ، ومن ثم ينبغي العمل على تقريب الفجوة بينهما ، وعلى المشتغلين بعلم التجويد دراسة علم الأصوات اللغوية دراسة جادة ، والإفادة الفاعلة من حقائق هذا العلم في كتابه (قواعد التجويد ) ، ولا يكفي نقل بعض الأفكار أو نقل بعض الرسوم والأشكال ، فلا بد من إعادة اللحمة بين العلمين كما تبدو في كتب الرواد الأوائل من كبار علماء التجويد .
ولعل من المفيد الإشارة إلى تجربتي المتواضعة في هذا المجال ، فإنني بعد أن درست علم الأصوات على يد شيوخ هذا العلم في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، وجهت عنايتي إلى كتب علم التجويد ، وبحثت في تاريخ هذا العلم ، وحقّقت عدداً من كتبه ، ثم كتبت رسالتي للدكتوراه في كلية الآداب بجامعة بغداد عن ( الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ) وصارت لديَّ قناعة تامة بجدوى إعادة كتابة قواعد التجويد بالاستناد إلى حقائق علم الأصوات ، وبإعادة كتابة علم الأصوات بالاستفادة من كتب علم التجويد ، على الرغم من وجود بعض الموضوعات التي تجد عناية في أحد العلمين أكثر من العلم الآخر .
وحاولت تحقيق شي من ذلك ، فكتبت أولاً كتاب ( علم التجويد : دراسة صوتية ميسرة ) وصدرت طبعته الأولى سنة 1408 هـ = 1988م ، بمساعدة من جامعة بغداد ، ثم كتبت بعد خمسة عشر عاماً من ذلك كتاب ( المدخل إلى علم أصوات العربية ) الذي نشره المجمع العراقي سنة 1423هـ = 2002م .
وإني أحمد الله تعالى على توفيقه في كتابة الكتابين ، ولكني أشعر أن ما قمت به تشوبه نقيصتان ، الأولى : حاجته إلى تأصيل جانب الرواية ، فعلى الرغم من أني درست علم التجويد على يد بعض الشيوخ ، وقرأت بين يدي الشيخ عامر السيد عثمان سنة 1975 وقت إقامتي في القاهرة لدراسة الماجستير ، إلا أنني لم يتح لي دراسة القراءات على يديه أو على يد غيره من شيوخ هذا العلم وأخذ الإجازة في روايتها عنهم . والثانية : ضعف في متابعة ما يستجد في علم الأصوات اللغوية المكتوب باللغات الأجنبية ، وكثيراً ما تتأخر ترجمة ما يُتَرْجَمُ من كتب هذا العلم ، وقد لا يُترجم إلا الشيء القليل ، كما أني لم يتح لي دراسة الظواهر الصوتية في مختبرات الصوت ، وعسى أن يتاح لغيري استدراك هاتين النقيصتين ويكمل ما بدأت به ، فهذا ما تيسر لي ، فإن أحسنت فبفضل الله وتوفيقه ، وإن قصرت فمن عجزي وتقصيري ، والحمد لله أولاً وآخراً ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مصادر البحث
1. إبراهيم أنيس ( دكتور) : الأصوات اللغوية ، ط4 ، القاهرة 1971م .
2. أحمد بن أحمد الطويل ( الشيخ ) : فن الترتيل وعلومه 2 ط1 ، مجمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، المدينة المنورة 1420هـ = 1999م .
3. أحمد خالد شكري ( دكتور) وزملاؤه : المنير في أحكام التجويد ، ط5 ، جمعية المحافظة على القرآن الكريم ، عمان 1425هـ = 2004م .
4. الأندرابي ( أحمد بن أبي عمر ) : الإيضاح في القراءات ، تحقيق د. منى عدنان غني ، أطروحة دكتوراه ، كلية التربية للبنات - جامعة تكريت 2002م .
5. ابن البناء ( الحسن بن أحمد ) : بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها القراء ، تحقيق د . غانم قدوري الحمد ، ط1 ، دار عمار ، عمار 1421هـ = 2001م .
6. ابن الجزري ( أبو الخير محمد بن محمد ) :
أ . غاية النهاية في طبقات القراء ، تحقيق برجستراسر ، مكتبة الخانجي بمصر 1932- 1933م .
ب . النشر في القراءات العشر ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر .
7. ابن جني ( أبو الفتح عثمان) : سر صناعة الإعراب ، تحقيق مصطفى السقا وآخرين ، ط1 ، مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة 1374هـ = 1054م .
8. ابن حجر ( أحمد بن علي ) : فتح الباري شرح صحيح البخاري ، المطبعة السلفية ، القاهرة 1380هـ
9. حسام سعيد النعيمي ( دكتور) :
أ . أصوات العربية بين التحول والثبات ، بيت الحكمة ، بغداد 1989م .
ب. الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ، بغداد 1980م .
10. الداني ( أبو عمرو عثمان بن سعيد ) : التحديد في الإتقان والتجويد ، تحقيق د . غانم قدوري الحمد ،مطبعة الخلود ، بغداد 1988م .
11. الزجاج : إعراب القرآن ( المنسوب خطأ للزجاج ، وهو من تأليف علي بن الحسين الباقولي ) تحقيق إبراهيم الأبياري ، ط3 ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1406هـ = 1986م .
12. زكريا الأنصاري ( الشيخ) : الدقائق المحكمة في شرح المقدمة ، مطبعة محمد علي صبيح بمصر 1375هـ = 1956م .
13. السعيدي ( علي بن جعفر ) : رسالتان في تجويد القرآن ، تحقيق د . غانم قدوري الحمد ، دار عمار ، عمان 1421هـ = 2000م .
14. سيبويه ( أبو بشر عمرو بن عثمان ) : الكتاب ، تحقيق عبد السلام محمد هارون.
15. عبد الصبور شاهين ( دكتور) : في التطور اللغوي ، ط1 ، مكتبة دار العلوم ، القاهرة 1975م .
16. عبد الوهاب القرطبي : الموضح في التجويد ، تحقيق د . غانم قدوري الحمد ، معهد المخطوطات العربية ، الكويت 1990 .
17. علي القاري : المنح الفكرية على متن الجزرية ، المطبعة الميمنية بمصر 1322هـ .
18. علي محمد الضباع ( الشيخ) : إتحاف البررة بالمتون العشرة ، مصطفى البابي الحلبي بمصر 1354هـ = 1935م .
19. غانم قدوري الحمد :
أ . أبحاث في علم التجويد ، دار عمار ، عمان 1422هـ = 2002 م .
ب . الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، مطبعة الخلود ، بغداد 1406هـ = 1986م .
ج . علم القراءة بين الرواية والدراية ( بحث) ، المجلة العراقية للعلوم الإسلامية ، العدد الأول ، بغداد 1423هـ = 2002م .
د. المدخل إلى علم أصوات العربية ، المجمع العلمي العراقي 1423هـ = 2002م .
20. المَجْمَع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية : الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط ( مخطوطات التجويد ) عمان 1986م .
21. محمد أحمد معبد : الملخص المفيد في علم التجويد ، دار السلام 1980م .
22. محمد المرعشي ( الملقب ساجقلي زاده ) :
أ . ترتيب العلوم ، تحقيق نجلاء قاسم عباس ، بغداد 1984م .
ب. جهد المقل ، تحقيق د . سالم قدوري الحمد ، دار عمار ،عمان 1422هـ = 2001م .
23. المرادي : ( الحسن بن قاسم ) :
أ . شرح الواضحة في تجويد الفاتحة ، تحقيق د . عبد الهادي الفضلي ، دار القلم ، بيروت .
ب. المفيد في شرح عمدة المجيد في علم التجويد ، تحقيق د . علي حسين البواب ، مكتبة المنار ، الزرقاء 1407هـ = 1987م .
24. مكي بن أبي طالب القيسي : الرعاية لتجويد القراءة ، تحقيق د . أحمد حسن فرحات ، ط3 ، دار عمار ، عمان 1417هـ = 1996م .
25. يوسف الخليفة أبو بكر : أصوات القرآن كيف نتعلمها ونعلمها ، ط1 ، الخرطوم 1392هـ = 1972م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تتمة اللقاء العلمي مع الاستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لَمَســاتُ البَيانِِ لِتَجْــويدِ القُــرْآنِ :: القراءات وأحكام التجويد :: المنتدى الاول-
انتقل الى: